
جنيف - أصدرت منظمة سام للحقوق والحريات تقدير موقف حقوقي حول عودة التصعيد الحوثي-السعودي والمخاطر المتوقعة على المدنيين والمنشآت المدنية ومنظومة الحقوق والخدمات في اليمن، محذرة من أن التطورات العسكرية المتسارعة منذ يوليو/تموز 2026 قد تنقل البلاد من حالة «اللاحرب واللاسلم» التي سادت منذ انتهاء الهدنة الأممية في أكتوبر/تشرين الأول 2022 إلى مرحلة أكثر هشاشة، في ظل أزمة إنسانية واقتصادية حادة وقدرة محدودة على امتصاص أي صدمات جديدة.
وقال التقرير إن دورة التصعيد الحالية برزت بصورة واضحة بعد إعلان جماعة الحوثي، في 20 يوليو/تموز، ما وصفته بـ«الحظر البحري» على السعودية وتوسيع تهديداتها للملاحة المرتبطة بالموانئ السعودية، بالتزامن مع هجمات على ناقلات ومنشآت نفطية، مشيراً إلى أن آثار التهديد ظهرت سريعًا على حركة الملاحة، من خلال تغير مسارات بعض السفن وتعطيل أجهزة التعريف الآلي وتراجع حركة العبور عبر باب المندب، بما يعني أن الخطر لا يتطلب إغلاقًا فعليًا للممر البحري حتى ينعكس على قرارات شركات الشحن والتأمين والتجارة.
وفي المقابل، رصد التقرير عودة الضربات داخل اليمن واتساع نطاق العمليات تدريجيًا، بدءًا من الضربات التي طالت الحديدة في 24 يوليو/تموز، وصولًا إلى الهجمات التي شهدتها مأرب والساحل الغربي وشبوة خلال أغسطس/آب. كما تناول قصف المجمع القضائي في تعز، والهجوم الواسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدينة المخا ومينائها، والهجمات التي طالت أحياء سكنية ومخيمات للنازحين في مأرب، إلى جانب تجدد العمليات في بيحان بمحافظة شبوة وتعطيل طريق ذمار–البيضاء–مأرب، الذي يمثل أحد الممرات المهمة لحركة المدنيين والسلع نحو المحافظات الشرقية.
وأكدت سام أن خطورة هذه التطورات لا تكمن فقط في الخسائر المباشرة، وإنما في تزامنها واتصال آثارها ببعضها. فتعطل الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن يمكن أن ينعكس على أسعار الغذاء والوقود، بينما يؤدي تضرر الموانئ أو الطرق إلى إبطاء الإمدادات، ويؤثر نقص الوقود بدوره في المستشفيات ومضخات المياه والنقل والخدمات الأساسية. وبذلك، قد تتحول سلسلة من الحوادث العسكرية المحدودة إلى أزمة حقوقية وإنسانية واسعة تتجاوز مناطق المواجهة المباشرة.
ولفت التقرير إلى أن هذا التصعيد يأتي في وقت يحتاج فيه أكثر من 22 مليون شخص في اليمن إلى المساعدة والحماية، فيما يواجه 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، ويعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد. كما أن نحو 60 في المئة فقط من المرافق الصحية تعمل بصورة كاملة، بينما يظل الاقتصاد عاجزًا عن استيعاب زيادات جديدة في تكاليف النقل والغذاء والطاقة.
وفي هذا السياق، حذرت سام من أن اضطراب الملاحة والموانئ يمثل أحد أخطر مسارات التصعيد على المدنيين، بالنظر إلى اعتماد اليمن الكبير على الواردات الغذائية. واعتبرت أن الأمن البحري لا يمكن فصله عن الحق في الغذاء، لأن تأخر الشحنات أو ارتفاع تكلفتها ينتقل سريعًا إلى الأسواق ثم إلى الأسر، ولا سيما الفئات الأكثر فقرًا، التي تضطر عند ارتفاع الأسعار إلى تقليل عدد الوجبات أو تأجيل العلاج أو الاقتراض وبيع الأصول.
كما سلط التقدير الضوء على المخاطر الخاصة التي تواجه النساء والأطفال والنازحين، موضحاً أن ملايين النساء والفتيات يحتجن أصلًا إلى المساعدة والحماية، فيما تعتمد مئات الآلاف من النساء الحوامل على خدمات صحية يمكن أن تتأثر بإغلاق الطرق أو نقص الوقود، كما يزيد النزوح وانهيار الخدمات من مخاطر العنف والاستغلال والزواج المبكر، في حين يواجه الأطفال مخاطر سوء التغذية والانقطاع عن التعليم والتجنيد والعمل الخطر والصدمات النفسية.
وتوقف التقرير عند المخاطر التي قد تطال المجال المدني والإنساني مع تصاعد التعبئة العسكرية وخطاب التخوين، محذرًا من احتمال استخدام اتهامات التجسس أو التعاون مع الخصم لتوسيع الاعتقالات وقمع العمل الحقوقي والإعلامي والإنساني. وأشار إلى استمرار احتجاز عشرات الموظفين الأمميين، فضلًا عن حالات احتجاز وإخفاء وثقتها آليات دولية ومنظمات حقوقية، معتبرًا أن اتساع الاعتقالات بالتزامن مع ضعف الرقابة القضائية قد يؤدي إلى مزيد من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري وتعطيل الوصول الإنساني.
وفي الجانب القانوني، شددت سام على أن السفن التجارية والموانئ والطرق ومنشآت النفط والاتصالات والمحاكم تظل، كأصل عام، أعيانًا مدنية، ولا تفقد حمايتها إلا عندما تستوفي بصورة محددة شروط الهدف العسكري وفق القانون الدولي الإنساني. كما أكدت أن وجود استخدام عسكري محتمل لا يعفي أي طرف من التزاماته المتعلقة بالتمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات، ولا يبرر توسيع نطاق الاستهداف ليشمل قطاعات اقتصادية أو خدمية كاملة.
وبحسب مصفوفة المخاطر الواردة في التقدير، فإن اضطراب الملاحة والواردات، وارتفاع الجوع وسوء التغذية، وتعطل الصحة والمياه، تمثل مخاطر ذات احتمال مرتفع وأثر قد يصل إلى المستوى الحرج، نظرًا لهشاشة الوضع الإنساني القائم أصلًا. كما يرفع تنشيط الجبهات الداخلية وإغلاق الطرق واستهداف البنية التحتية احتمالات النزوح وتعطيل الخدمات واتساع نطاق الحرمان المدني.
وخلصت سام إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب يتمثل في استمرار تصعيد محدود ومتدرج، تُستخدم فيه الملاحة والطاقة والبنية التحتية أدوات ضغط، إلا أن هذا السيناريو لا يعني انخفاض الضرر على المدنيين. وفي المقابل، فإن انتقال العمليات إلى ضربات متكررة ضد الموانئ والطاقة والطرق، أو إعادة فتح جبهات برية واسعة، قد يدفع مستوى الخطر من «مرتفع» إلى «حرج» خلال فترة قصيرة.
ودعت المنظمة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والأعيان المدنية والامتناع عن الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة، وضمان عدم تعطيل وصول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية. كما طالبت بتحقيقات مستقلة وشفافة في الهجمات التي تطال منشآت مدنية، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا والكشف عن مصير المخفيين، فيما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ربط جهود خفض التصعيد بضمانات عملية لاستمرار عمل الموانئ والطرق والمرافق الصحية والقضاء وحماية المجال الإنساني والمدني.
وأكدت سام أن الخطر الأشد لا يتمثل في ضربة أو حادثة منفردة، وإنما في تراكم أربعة مسارات مترابطة: تعطيل الإمدادات وارتفاع الأسعار، واتساع الضربات إلى بنية مدنية مترابطة، وتوسع الاعتقالات وقمع المجال المدني، وتراجع مؤسسات العدالة في الوقت الذي تتزايد فيه الحاجة إليها، محذرة من أن اجتماع هذه المسارات قد يحول التصعيد العسكري المحدود إلى أزمة حقوقية وإنسانية أوسع يصعب احتواؤها.