المسؤولية الأخلاقية في توثيق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ســــــــام
مرحبا بكم في منظمة
لسنا محايدين .. نحن في صف الضحايا.. حتى تحقيق العدالة
المسؤولية الأخلاقية في توثيق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان
أنس جرجاوي |

 

يعجّ العالم بالصراعات والنزاعات بشكل أكبر من أي وقت مضى، وتتسع دائرة العنف لتشمل مناطق جديدة تُضيف أبرياء جدد إلى قوائم الضحايا، الذين تُسلب أرواحهم ويفقدون أمنهم وأمانهم وحرياتهم، ويتركون ضعفاء بلا حول ولا قوة، وربما بلا أمل.

وسط قتامة المشهد، يبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات والأفراد المدافعون عن حقوق الإنسان في كشف وتوثيق الانتهاكات المترتبة عن هذه النزاعات، ودعم الضحايا وملاحقة مرتكبي تلك الانتهاكات وتقديمهم للعدالة.

تتنوّع أشكال الدفاع عن حقوق الإنسان وتختلف الأدوات، لكن الخطوة الأولى والأهم من أجل المضي في وقف الانتهاكات والمساءلة والمحاسبة هي توثيق الشهادات التي تمثل الرواية الأصلية للحدث وفق رواية من تعرّض للانتهاك، أو من كان حاضرًا معه بصورة مباشرة في حال تعذّر الوصول إلى الضحية لأسباب عدة قد يكون أبرزها مقتل أو اختفاء الضحية، وتكون الشهادة مكتوبة أو مصورة أو مسجلّة على اختلاف أدوات التوثيق.

أهمية توثيق الشهادات

تبرز أهمية توثيق شهادات الضحايا في قيمة تلك الشهادات، فالضحايا هم المصدر الأصدق والأدق لرواية الأحداث، والشهادة نفسها تساعد في فهم أفضل لظروف وحيثيات الانتهاك، وقد تقود إلى كشف هوية الجناة ومحاسبتهم في أحسن الأحوال، بالإضافة إلى أثرها الكبير -حال نشرها- في جلب تعاطف الرأي العام مع الضحايا بشكل خاص، وقضايا حقوق الإنسان بشكل عام وهو أمر مهم في سياق منع تكرار تلك الانتهاكات.

هذه الأهمية تفرض مسؤولية أخلاقية ينبغي على العاملين في مجال توثيق الانتهاكات التقيد والالتزام بها. في مقدمة ذلك احترام خصوصية الضحية والحصول على موافقة مسبقة منه لتوثيق شهادته واستخدامها، والحرص على التوظيف الأخلاقي للشهادة فيما يجب أن تستخدم فيه فقط.

توثيق شهادات ضحايا الانتهاكات عملية حسّاسة للغاية، وتتطلّب من الجهة القائمة على التوثيق التزامًا صارمًا باحترام الضحايا واستحضار ما مروا فيه من معاناة تسبّبت لهم بتبعات يصعب تجاوزها، يشمل ذلك احترام خصوصية الضحايا وحقّهم في حرية الإدلاء بشهادتهم أو الإحجام عن ذلك، بحيث يُطلب منهم على نحو واضح ومباشر الإذن بتوثيق واستخدام شهاداتهم، والتعهد بضمان سرّية المعلومات إلا في حال سمحوا بنشرها. في حال رفض الضحايا الإدلاء بشهاداتهم، فإنّه لا ينبغي بأي حال من الأحوال تحميلهم أي عبء إضافي وإشعارهم بالذنب، وإحاطتهم باتهامات من قبيل التخاذل وإعاقة جهود محاربة انتهاكات حقوق الإنسان، فمن غير المقبول أن يُوضع الضحايا تحت ضغط تقديم إفاداتهم لأنّهم عانوا أصلًا بما فيه الكفاية جراء ما وقع عليهم من انتهاك.

النقطة الثانية لا تقلّ أهميّة عن الأولى، وهي الاستخدام الأخلاقي للشهادة فيما يجب أن تستخدم فيه فقط. هنا يجدر التأكيد على حصرية استخدام الشهادة في كشف حيثيات الانتهاك وتوثيقه دليلًا يقود إلى محاربة مرتكبيه، وحشد الرأي العام لمناصرة قضايا حقوق الإنسان.

مهمة توثيق الشهادات ومساعدة الضحايا إنسانية بالأساس، ويُفترض على القائمين عليها أن يتمتّعوا بدرجة عالية من الموثوقية والالتزام بعدم توظيف تلك الشهادات في استخدامات سلبية غير مهنية وغير أخلاقية، لتحقيق مكاسب شخصية أو خدمة أطراف معينة.

الاستخدامات غير الأخلاقية للتوثيق

يمكن تصنيف الاستخدامات غير الأخلاقية والسلبية للشهادات الموثقة حول الانتهاكات إلى ثلاث أنواع وهي: الاستخدام السياسي، والابتزاز المالي، والابتزاز الأخلاقي.

من أمثلة الاستخدام غير الأخلاقي سياسيًا، توظيف بعض الأطراف السياسية لشهادات الضحايا -التي يتم جمعها عبر مؤسسات تابعة في كثير من الأحيان- في إطار التجاذبات الحزبية مع الخصوم السياسيين لتحقيق انتصارات إعلامية أو جلب تعاطف مع الرؤية السياسية لتلك الأطراف.

تكمن خطورة الاستخدام السياسي لشهادات ضحايا الانتهاكات في انتهاك الخصوصية، ولكنّ الأخطر هو التهديد الذي يشكله ذلك الاستخدام غير المشروع لسلامة وأمن الضحية، فإذا نُشر محتوى الشهادة بشكل علني، وكان يدين طرفًا بعينه، فإنّ هذا الطرف قد يلجأ إلى العنف لتغييب الضحية عن المشهد، خاصة وأنّ الأطراف الحزبية في مناطق النزاع لديها إما السلطة أو القوّة أو كليهما معًا لتغييب أي صوت يضّر بها ويكون شاهدًا على انتهاكاتها.

أما الابتزاز المالي والأخلاقي لضحايا الانتهاكات، فيمكن إرجاعهما في معظم الحالات لتصرفّات فردية وليست منظمّة، إذ يبتزّ بعض العاملين في المنظمات الحقوقية والإغاثية الضحايا، إما بطلب مبالغ مالية أو ممارسة أفعال منافية للآداب والأخلاق (غالبًا تحدث في حال كانت الضحية من النساء)، وهنا يُوضع الضحية تحت مطرقة الابتزاز وسندان الخوف من استخدام الشهادة على نحو قد يتسبب لها بمتاعب معقّدة.

يبرز هنا دور المؤسسات في محاسبة موظفيها الذين أخلّوا بأخلاقيات العمل الإنساني، فالتصرفات الفردية لا تُعفي بأي حال المؤسسات التي يعمل بها أولئك الأفراد من المسؤولية، وهي مسؤولة بشكل كامل عن تصرّفات وتجاوزات أفرادها، وينبغي عليها المتابعة الدائمة لسلوكهم والتأكد من صون حقوق الضحايا وخصوصيتهم وعدم انتهاكها تحت أي مبرر.

بطبيعة الحال فإنّ ضحايا الانتهاكات عادة ما يكونون في موقع ضعف، ما يسهّل من عملية ابتزازهم ومساومتهم. فالضحية غالبًا ما يضع ثقة مطلقة في جهة التوثيق، ويسارع في الإدلاء بشهادته والكشف عن خصوصياته أملًا في تحقيق العدالة، ولكنّ بعض العاملين في مجال التوثيق يخون تلك الثقة ويستخدم المعلومات الشخصية على نحو غير أخلاقي، إذ سجّلت عشرات التقارير عمليات ابتزاز مالي وأخلاقي للضحايا من العاملين في منظمات حقوقية أو إغاثية كان آخرها ما كشفه تقرير رسمي في أغسطس/آب 2018 عن إجبار بعض النساء في مخيمات اللاجئين في سوريا على تقديم خدمات جنسية مقابل الحصول على مساعدات من موظفي الأمم المتحدة العاملين هناك.

إنّ العمل في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن ضحايا الانتهاكات مقدّس وأخلاقي بالدرجة الأولى، وعليه ينبغي أن يُظهر العاملون في هذا المجال أعلى درجات الانضباط والمسؤولية الأخلاقية، وخصوصًا من يتعاملون بشكل مباشر مع ضحايا الانتهاكات ويوثّقون شهاداتهم. يجب أن نتذكر أنّ الضحايا يرون فيمن يوثّق شهادتهم الأمل الوحيد لإنهاء معاناتهم ومحاسبة جلّاديهم، فهل يحتمل الضحايا أن يتسبب لهم هذا "الأمل" في ألم جديد؟

 

 نقلا من موقع المرصد الاورومتوسطي لحقوق الإنسان

 

 

 

 
إقرأ للكاتب أنس جرجاوي
غرد معنا