مرحبا بكم في منظمة
لسنا محايدين .. نحن في صف الضحايا.. حتى تحقيق العدالة
قراءة قانونية في وثيقة إعلان الرياض بنقل السلطة و تشكيل مجلس رئاسي في اليمن
أحمد سمير أحمد ناصر |

إن صدور إعلان من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من الرياض بنقل السلطة وتشكيل مجلس رئاسي في اليمن بتاريخ 7 ابريل 2022 ،مما خلق حالة من الاضطرابات في فهم دوافع القرار في ظل حالة جمود سياسي وأمني وفرقة كبيرة واقتتال بين أبناء الوطن الواحد، كما خلق الإعلان حالة من الاضطراب في فهم وتفسير مضمونه ومدي قانونيته ،الأمر الذي جعل القوى السياسية اليمنية في حيرة من أمرها في قبول أو رفض هذا الإعلان خاصة مع القبول الإقليمي والدولي الذي حظي به.

الأساس الواقعي لإصدار الوثيقة

يمثل الواقع على الأرض في اليمن العامل الأقوى والصوت الأعلى المسموع في التأثير علي الأحداث ،كما أن مجاورة اليمن -الدولة الفقيرة اقتصاديا - لدول مجلس التعاون الخليجي الأغنى بين دول العالم بالموارد البترولية أخذها وبقوة في اتجاه التدخلات المتعددة في شؤونها الداخلية .

كما أن التقارب المذهبي مع إيران من قبل جزء من الشعب اليمني قد أدى أيضا إلى بلورة التدخلات وصياغتها تحت مسميات عقدية مذهبية ،وهو ما أدى إلى مزيد من تفاقم الأزمات .

كما أن الظهور بمظهر الراعي للحوارات والاتفاقيات والمؤتمرات بين الفرقاء في الداخل اليمني كثيرا ما كان يظهر الدول الخليجية بمظهر الدول المستقرة الآمنة ،ويظهر الدولة اليمنية وشعبها الذي ثار على الفساد والدكتاتورية بمظهر الدولة المتفتتة المتضررة الخاسرة نتيجة هذا الفعل الثوري ،وهي نظرة تحتاجها الدول الخليجية لتصدرها لشعوبها لكي تحقق إستقرارها الشخصي واستقرار أنظمتها الحاكمة.

وتشكل الاستقطابات للرموز السياسية والعناصر الفاعلة المؤثرة في الواقع اليمني وشراء الولاءات الورقة الثانية في أجندة الأطراف الخارجية التي تتدخل بقوة في الساحة اليمنية .

كما ظهر مؤخرا وبقوة الاستغلال الشديد للخلافات المذهبية في إدارة الداخل من خلال استغلال القوة الإقليمية الخارجية لمعطيات التنوع المذهبي للشعب اليمني.

كما أن الموقع الخطير والمميز لليمن على مضيق باب المندب قد دفع الدول التجارية مثل الإمارات العربية المتحدة التي تمتلك موانيها حصة من التجارة التي تمر من خلاله إلي التدخل للسيطرة بنفوذها على الجزر القريبة من المضيق لتأمين موانيها وتجارتها وللحصول على مزيد من النفوذ في هذه المنطقة الحساسة من العالم. كل هذه التشابكات وغيرها قد شكلت أساسا قويا لسعي دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة المملكة العربية السعودية والأمارات العربية المتحدة صاحبتا النفوذ الأقوى في الداخل اليمني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في التدخل لصدور ورعاية إعلان نقل السلطة اليمني.

كما استند إعلان نقل السلطة على التغيرات الواقعية للنزاعات المسلحة ومناطق فرض النفوذ على أرض الواقع في اليمن ، فتشكيل مجلس القيادة الرئاسي يدل على ذلك بشكل كبير ونلاحظ من تشكيل مجلس القيادة الذي يستحوذ على مقدرات وسلطات رئيس الجمهورية ونائبه ،أن أهم عنصر من العناصر التي اعتمد عليها تشكيل المجلس هو نتائج العمليات العسكرية على أرض الواقع في اليمن ،والتي تنعكس على مناطق فرض النفوذ .

لذا فإن نتائج العمليات العسكرية تمثل الأساس الواقعي الذي استند عليه إعلان نقل السلطة في اليمن ،فالسيطرة العسكرية مثلت أهم الأسس التي تشكل بناء عليها مجلس القيادة الرئاسي.

الأساس القانوني لإصدار الوثيقة

لا نجد في المبادرة الخليجية ولا في الدستور اليمني ما يعطي الرئيس الحق في التفويض الإداري لكامل صلاحياته بهذا الشكل الذي نراه في إعلان نقل السلطة، فالأصل في التفويض أن يكون جزئياً، والتفويض الذي تم من خلال الرئيس هادي تم في كامل اختصاصات رئيس الجمهورية وكامل اختصاصات نائبه ، وهو ما يتنافى مع جوهر التفويض الإداري.

ومن متابعتنا لمخرجات الحوار الوطني لا يمكننا اعتماد هذه المخرجات كأساس لإعلان نقل السلطة، إلا فيما يتعلق بضرورة استمرار الحوار والتوافق لإيجاد مخرج من الأزمة اليمنية الحالية.

وثيقة تشكيل المجلس الرئاسي لا تمثل إعلانا دستوريا

وثيقة تشكيل المجلس الرئاسي لا تمثل إعلانا دستوريا، حيث أن الدستور اليمني كغيره من الدساتير نص على طريقة معينة يجب أن يتبعها المشرع الدستوري لإنشاء النصوص والقواعد الدستورية ،وهو ما لم يتحقق في ظل حالتنا الراهنة ،حيث أن رئيس الجمهورية هو من تصدى لإصدار هذه الوثيقة ،دون أن تعرض على الشعب في استفتاء نظرا لحالة الحرب القائمة .وللظروف الأمنية والاقتصادية والإنسانية الصعبة ، لذا فلا مجال من الناحية القانونية والدستورية لوضع هذه الوثيقة أو تسميتها بأي مسميات دستورية .ورغم أن الموضوعات التي تتضمنها هذه الوثيقة هي موضوعات متعلقة بنظام الحكم وبإعادة تشكيل سلطات الدولة ،وهي موضوعات كلها موضوعات دستورية، إلا أنه لا مجال لإضفاء أي طابع دستوري مسمى تلك الوثيقة.

وثيقة تشكيل المجلس الرئاسي تمثل "تفويضا وإعلانا بنقل السلطة

وبالرجوع إلى الوثيقة محل الدراسة  نجد أن رئيس الجمهورية اليمنية في نهاية الديباجة قد ذكر أنه "وتنفيذا لتوافقات شعبنا الكريم أصدرنا إعلان نقل السلطة بما هو آت" وبالتالي فإن المسمى الذي أطلقه رئيس الجمهورية على هذه الوثيقة هو "إعلان نقل السلطة" . وهو مسما عام لا يشير إلى أية قوة قانونية لهذه الوثيقة ، ولا إلى مرتبتها بين غيرها من الوثائق.فهو قد قصر رؤيته للوثيقة علي أنها إعلانا ،وأن هذا الإعلان يتضمن نقلا للسلطة ، ورغم ذلك فقد جاء في المادة الأولى من هذا الإعلان في البند (أ) منها أن الرئيس فوض مجلس القيادة الرئاسي بموجب هذا الإعلان تفويضا لا رجعة فيه بكامل صلاحياته ، وهو الأمر الذي يحمل مغزى قانونيا لأن هناك فرقا في المعنى والمدلول بين النقل والتفويض ،لكن التفويض الدائم للاختصاصات يرقى إلى مرتبة النقل وهو ما سنتعرض له بالدراسة في موضع لاحق من هذا البحث.

لذا فإننا وفي إطار سعينا للوصول لمسمى ملائم لهذه الوثيقة من الناحية القانونية ، فإننا نرى أن المسمى الأنسب لها هو "إعلان نقل السلطة إلي مجلس قيادة رئاسي" وذلك استنادا على نص الوثيقة ،ومراد مصدرها، وحقيقة مضمونها . وذلك بصرف النظر عن مدى شرعية هذا التصرف وهذا المسمى.

في إطار بحثنا في وثيقة إعلان نقل السلطة إلى مجلس قيادة رئاسي في اليمن فلا بد من بحث مشروعية هذه الوثيقة ، وهذه المشروعية تنطلق من مدى شرعية مصدرها، وهل إصدار مثل تلك الوثائق يدخل في اختصاصه، وما هو الوضع القانوني والدستوري لرئيس الجمهورية بعد إصدارها ، وهل يجوز له سحبها؟.

إن نصوص الدستور اليمني ونصوص المبادرة الخليجية لا يخولان الرئيس هادي تفويض كامل اختصاصاته لهيئة غير دستورية، وهنا يجب الإشارة لأهم المبادئ التي تضع الدستور في مرتبة قانونية عالية بالمقارنة بغيره من القواعد وهو مبدأ علو وسمو قواعد الدستور، وهو ما يقطع تماما بأنه لا تملك أيّ سلطة من سلطات الدولة بمن فيهم رئيس الجمهورية الحق في أن تعدل من شروط تفويضها وإلا فقدت سندها الشرعي في ممارسة هذا التفويض.

وعلى الرغم من نقل الرئيس اليمني رغم لسلطته بإرادته المنفردة لمجلس القيادة الرئاسي إلا أنه لم يتخلَّ أو يتنحَّ عن منصبه الأمر الذي يجعله محتفظا بمنصبه الرئاسي لكنه منزوع الصلاحيات؛ فهو رئيس بلا صلاحيات، وبما أن الإعلان بنقل السلطة لا يستند إلا على إرادة الرئيس فقط دون سند معتبر من الدستور اليمني أو المبادرة الخليجية ،فإن التزام الرئيس بعدم التراجع في التفويض هو التزام شخصي ينعقد بإرادة الرئيس دون خضوعه لأي التزام قانوني بعدم سحبه.

السيناريوهات

وفقا للمعطيات السابقة أن إعلان نقل السلطة إلى قيادة جماعية سيؤدي باليمن إلي واحد من  سيناريوهات ثلاثة.

السيناريو الأول: أن يتوافق مجلس القيادة الرئاسي ويعمل بشكل جماعي على الحوار مع الحوثيين ويدمجهم بطريقة أو بأخرى فيه ، وأن يستطيع تجميع اليمنيين تحت لوائه ويصل بالحوار إلى اتفاقات ملزمة لتقاسم السلطة بين القوي اليمنية المختلفة دون أن تتفتت اليمن إلى مقاطعات يحكمها أمراء الحرب . وهو سيناريو حالم ومبالغ في التفاؤل،خاصة مع رفض الحوثيين للحوار الوطني الذي تم في المملكة العربية السعودية ،ولما خرج عنه من وثيقة إعلان نقل السلطة

السيناريو الثاني: أن يتوافق أعضاء مجلس القيادة الرئاسي فيما بينهم ويضعوا أوزار الحرب على مناطق النفوذ  لكنهم لا يستطيعون التوصل إلى اتفاق سياسي مع الحوثيين ،الأمر الذي يحولهم إلي مجلس حرب يدخل بشكل جماعي في حرب جماعية مع الحوثيين وتدعمهم دول الخليج لمحاولة حسم المعارك ،مما يزيد من معاناة اليمنيين ويوسع من ساحة المعركة.

السيناريو الثالث: يتحقق حال عدم استطاعة مجلس القيادة الرئاسي حسم الأمور من الناحية العسكرية مع الحوثيين ،حينها تتجمد الأمور وتظل مناطق النفوذ العسكري لكل قائد من مجلس القيادة كما هي وتترسخ له عناصر السلطة فيها بعد أن تحول من قائد عسكري مسيطر إلى قائد سياسي حاصل علي شرعية سياسية ،مما يجعل اليمن عرضة للتقسيم السياسي المدعوم عسكريا وربما إقليميا ،وهو السيناريو الأكثر واقعية ،إلا إذا  كانت أوراق اللعبة العسكرية والسياسية بيد الخارج اليمني كاملة، وهنا نخضع لإرادة وأهواء الخارج سواء من ناحية التوجه لدعم الوحدة أو التقسيم.

لذا فإن اكتساب الشرعية الجزئية من خلال اجتماع مجلس القيادة الرئاسي أمام مجلس النواب أو من حضر منهم لأداء القسم هو أمر شكلي ودلالاته القانونية ضعيفة ، والغرض منه إقرار واقع جديد أمام وسائل الإعلام و المجتمع الدولي وأخذ الصبغة الدولية والاعتراف الدولي لحضور سفراء الدول ومندوب الأمم المتحدة .

ونظرا لأن مجلس النواب بحالته المشار إليه سابقا ، فإن إعلان نقل السلطة قد أناط بمجلس القيادة الرئاسي القيام بمهام رئيس الجمهورية المحددة في المبادرة الخليجية ،كما أناط بالهيئات الأخرى المنشئة في القرار القيام بمهام كان الأولى بمجلس النواب ولجانه المختلفة القيام بها.

 

*ملخص لبحث بعنوان (قراءة قانونية في وثيقة إعلان الرياض بنقل السلطة و تشكيل مجلس رئاسي في اليمن الصادرة بتاريخ 7/4/2022) من إعداد أحمد سمير أحمد ناصر الأستاذ المشارك ورئيس قسم القانون العام بكلية الدراسات القانونية والمعاملات الدولية – جامعة فاروس بالأسكندرية

 

 





 بيروت: مشروع الحقوق الرقمية بمنظمة سام يشارك بورقة عمل في ملتقى خبز ونت