مرحبا بكم في منظمة
لسنا محايدين .. نحن في صف الضحايا.. حتى تحقيق العدالة
الغليسي .. من ضحايا التعذيب
من يعيد له وهج الحياة ؟

  
  
  
    
30/09/2022

تعز – محمد فرحان

منذ خروجه من السجن عام 2018م، حيث ظل ما يزيد عن عام واحد معتقلًا في مدينة الخوخة جنوب محافظة الحديدة والتابعة إداريًا لها غرب اليمن، فتحي الغليسي 46 عاماً، لم يعد كما كان قبل دخوله السجن،  صباح الخميس  12 فبراير 2017، عنما اعتقل من مقر عمله معرض الفاضل للطيب والعسل في مدينة الخوخه، فقدْ فقدَ صحته وأصبح غير قادر على العمل.

يقول الغليسي وهو يسرد معاناته "أغلب أيامي أظل في البيت مقعدًا عن الحركة لا أستطيع العمل وإعالة أسرتي منذ خروجي من السجن".

 

حالته الصحية تتلخص في أن لديه مشكلة في العمود الفقري وانزلاقًا غضروفيًا وصفته التقارير الطبية حسب الأشعة المقطعية أنه خطير فهو انزلاق بين الفقرة الرابعة والخامسة.

كل يوم تسوء حالته الصحية ويقضي أغلب الأوقات في منزله بمدينة الخوخة مثقلًا بذكريات مؤلمة من التعذيب وبشاعة التعامل غير الإنساني حيث قضى ما يزيد عن عام واحد بعيدًا عن أهله يذتنقل من زنزانة إلى أخرى، كما يقول الغليسي إنه عاش أيامًا من الرعب والخوف منذ بداية اعتقاله يوم 21- 2-2017م بطريقة مرعبة من مكان عمله في محل لبيع العسل.

يصف الغليسي ذلك اليوم "اقتادوني معصوب العينين وأخذوني إلى سجن تابع للجماعة في المدينة، وخلال بقائي في السجن كانوا يحققون معي بشكل مستمر، وأغلب التحقيق كان يتم منتصف الليل حيث يتم إيقاظي بعنف وكأنهم يتعاملون مع حيوان".

في شهاداته يروي أساليب مخيفة من التعذيب مورست بحقه وبحق كل المساجين الذين كانوا معه حيث يؤكد أنه كان يتم اقتياده إلى غرفة التحقيق ويتم نزع قميصه "الشميز" ووضعه على عيونه ويتم كيل الكثير من التهم له وإن أنكرها يقابل بالضرب الشديد في كل جسمه، وحسب الغليسي فإن الضرب كان بالهراوات على بطنه وظهره بشكل قوي وبدون توقف، ويضيف "كنت أصرخ من شدة الألم ارحموني سوف أموت وهم يقولون أنت داعشي مع العدوان".

وفي أحد الأيام يقول الغليسي إنه تم التحقيق معه وأثناء التحقيق سمع أصوات تحليق لطيران التحالف فتركوه وغادروا غرفة التحقيق وقالوا له سوف نتركك تموت بقصف الطيران، وكان هذا أشبه بتعذيب نفسي حيث ظل الغليسي كما يقول بعض الوقت بعد أن غادروا وعادوا مرة أخرى وكان عددهم أكثر وانهالوا عليه بالضرب بشكل متواصل وهذه المرة كما يؤكد الغليسي كان الضرب بحديدة وتركّز على الرقبة وعلى مختلف مفاصل رجليه ويديه.

ويضيف الغليسي أنه وأثناء تواصل الضرب عليه بالحديدة أغمي عليه من شدة الألم وحاول أفراد جماعة الحوثي الذين يتشاركون في تعذيبه برش ماء بارد على جسده حتى أفاق وظل مرميًا على الأرض غير قادر على الحركة وبدون ماء أو أكل حتى الصباح.

وحسب فتحي الغليسي كانت عبارات التهديد بالموت لا تتوقف أثناء التحقيق معه من خلال ابتكار أساليب تعذيب وحشية وقاتلة.

بعد شهر من بقائه في سجن بمدينة الخوخة والتحقيق معه كل مرة مع التعذيب بمختلف الأساليب تم إخراجه -كما أفاد - الساعة الثامنة صباحًا إلى خارج حوش السجن وتم لف قماش أبيض على جسده يشبه الكفن، ويضيف الغليسي" تم لف القماش علي بشدة حتى أنه لم يستطع تحريك يديه أو رجليه وطلب منه الاعتراف بأشياء لم يفعلها".

ويتابع شهاداته بأنهم وضعوا على عيونه غطاء وتوفقوا عن تعذيبه وهو وسط الشمس الحارقة، وفي هذه الأثناء يقول الغليسي إنه سمع صوت شخص يصرخ ويختلط صوته بالبكاء ويقول "لاتقتلوناش لاتقتلوناش" ويرد عليه شخص اعترف وإلا قتلناك، وكان الغليسي يتابع سماع الموقف وقلبه يكاد يتوقف من هول الموقف والصراخ المخيف وفجأة يسمع إطلاق رصاص ويتوقف صوت الشخص الذي كان يصرخ.

ويشير الغليسي أن ما حدث كان نوعًا من الترويع والتخويف والتعذيب النفسي وهو يسمع شخص يقول قتلناه.

كان يومًا مرعبًا تمنى فيه الموت وهو مرمي وسط الشمس من الساعة الثامنة صباحًا حتى الساعة الواحدة ظهرًا في ظل درجة حرارة شديدة كما هو معروف عن المناطق الساحلية غرب اليمن من شدة حرارة الأجواء المشمسة.

ويقول الغليسي "كدت أن أموت من العطش وأنا مرمي في الشمس ولا أحد التفت إليّ أو سمع استغاثاتي"، وفي ظل هذا الوضع الذي ظل فيه الغليسي بين الحياة والموت تم إدخاله السجن ورميه على الأرض وهو في وضع غير قادر على الوقوف على قدمه.

تم نقل الغليسي إلى سجن في مدينة زبيد يشرف عليه كما يؤكد شخص اسمه أبو أحمد من محافظة حجة وكان يقول له "سوف تموت بالتعذيب"، ذكريات مؤلمة مازالت تمثل للغليسي كابوسًا مخيفًا صنعت له ندوبًا نفسية حولت حياته إلى سواد.

يتذكر الغليسي وهو في سجن زبيد وهي مديرية ريفية جنوب محافظة الحديدة حين تعرض للتعذيب بشكل متكرر من خلال إخراجه تحت حرارة الشمس في ظل صيف شديد الحرارة والرطوبة.

ومن أساليب التعذيب التي مورست معه في السجن بمدينة زبيد يقول فتحي الغليسي "تم إخراجي إلى مقبرة قريبة من السجن أنا وغيري طبعًا ممن يريدون ترويعهم، اقتادوني إلى المقبرة ليلًا تقريبًا الساعة 10 ووضعوني بجانب حفرة طولها متران وهم يضربونني بالسوط على قدمي ورأس السوط مغطى بالبلاستيك وداخله أسلاك من الحديد حتى تتقطع قدمي ويسيل الدم مدة ساعة على الأقل مع سبّ وشتم لي ولوالدي "ويؤكد أنّ من كان يشرف على تعذيبه في سجن زبيد هو شخص يدعى أبو شهاب.

وفي إحدى المرات المروعة والمخيفة من التعذيب -حسب تعبيره وهو يصف ما حدث - كاد الغليسي بالفعل أن يموت حيث تمّ وضعه في حفرة عميقة على رأسه ورجلاه إلى الأعلى في مكان ضيق لا يستطيع فيه الشخص التنفس، ويضيف كنت "أصرخ وأتوسل إليهم وهم يباشروني بالضرب المتواصل على قدمي وأخرجوني وبعدها ظللت ما يقارب شهرا  غير قادر على المشي بعد أن تورمت قدماي".

أشهر من المعاملة غير الإنسانية عاشها الغليسي متنقلًا من سجن إلى آخر حتى انتهت به رحلة التعذيب في سجن جماعة الحوثي في مدينة الحديدة حيث مرحلة جديدة من العذاب والحرمان وسوء المعاملة.

وأثناء اعتقاله في سجن جماعة الحوثي في مدينة زبيد حاول الكثير من الأشخاص التواصل مع إدارة السجن من أجل إخراجه لزيارة أخته التي كانت مريضة وهي على فراش الموت لكن المسؤولين عن السجن أنكروا أنه موجود في السجن وماتت أخته كما يقول وهو في السجن ولم يزرها.

وكل يوم كانت تسوء حالته الصحية فقد كانت الأوضاع داخل السجن مزرية ويضطر الغليسي حسب شهاداته إلى الشرب من مياه غير صالحة للشرب بالإضافة إلى انعدام النظافة داخل السجن وانتشار الحشرات المختلفة.

ومن أقسى أنواع التعذيب التي تعرض لها في سجون جماعة الحوثي بالحديدة هو الصعق بالكهرباء ويشرح ذلك "كان يتم صعقي بالكهرباء وأنا مربوط الأيدي والأقدام ومغطى على عيوني فيعمدون إلى توصيل أصابع قدمي بالكهرباء وأنا أصعق وأصرخ وهم يصيحون بالصرخة الخاصة بهم وأنا أشاهد الموت لمدة دقيقتين تقريبًا ثم يعاودون الصعق لـ 6 مرات ويضعون في فمي كيس بلاستيك (علاقي) وكل ما يتوقفون عن الصعق الكهربائي يضربونني بالهراوات على ظهري ومفاصلي دون رحمة حتى وقت المغرب ثم يرجعونني إلى غرفة السجن ويتوعدونني بالتعذيب".

لم تكتفِ عناصر جماعة الحوثي التي تشرف على سجن فتحي الغليسي بتعذيبه وحرمان أسرته من زيارته بل استنزفت كل مدخرات أسرته من خلال الوعود بإخراجه من السكان مقابل مبالغ مالية.

ويتابع "عرفت فيما بعد من أسرتي أنهم قد باعوا كل شيء واستُنفذت كل مدخراتهم بما في ذلك ذهب زوجته وهم يعطونها لأشخاص موالين لجماعة الحوثي وعدوهم بإخراجي من السجن".

كان آخر مكان سُجن فيه هو سجن البحث الجنائي في مدينة الحديدة والذي كان شاهدًا على عشرات الحالات من التعذيب والصعق بالكهرباء، بعض السجناء توفوا خلال التعذيب. أيام وليالي كان الغليسي يعيش فيها تفاصيل الموت باستمرار ويهدّه الحنين الممزوج بالبكاء على أطفاله وزوجته الذين كان يمثل لهم العائل الوحيد وأصبحوا بدونه في ضياع.

الغليسي الآن مقعدٌ بحالة سريرية غير قادر على العمل واستئناف حياته كما كان ولا زالت آثار التعذيب تطرق جسده بالألم وتجبره على البقاء في منزله مثقلًا بالحسرة والوجع وفقر الحال. الأشعة التي أجراها في مركز متخصص بالأشعة بمدينة عدن وكذلك التقارير الطبية ومنها تقرير الطبيبة المختصة المعالجة في مستشفى الوالي بمديرية المنصورة بعدن أكدت أنه بحاجة لعملية جراحية في الخارج بشكل عاجل لرفع الانزلاق وأخذ العلاجات اللازمة والمكثفة حسب تقرير طبي من هيئة مستشفى الجمهورية بمدينة عدن ..

لم يجد الغليسي من يقف معه ويسانده من أجل إعالة أطفاله وهو بحاجة ملحة للعلاج واستعادة عافيته، فهل سوف يجد من ينتشله من واقع المرض إلى العمل والحياة كما كان؟.

 

 





 بيروت: مشروع الحقوق الرقمية بمنظمة سام يشارك بورقة عمل في ملتقى خبز ونت