مرحبا بكم في منظمة
لسنا محايدين .. نحن في صف الضحايا.. حتى تحقيق العدالة
دراسة دستورية لإعلان الرياض نقل السلطة في اليمن.. دوافعه ومضمونه ومدى قانونيته

  
  
  
    
26/05/2022

أصدرت وحدة الدراسات والبحوث بمنظمة سام للحقوق والحريات باكورة إصداراتها البحثية القانونية والحقوقية، بعنوان " إعلان الرياض قراءة دستورية " وهي عبارة عن دراسة دستورية في وثيقة إعلان الرياض بنقل السلطة وتشكيل مجلس رئاسي في اليمن الصادرة بتاريخ السابع من إبريل 2022، أعدها الدكتور أحمد سمير أحمد ناصر الأستاذ المشارك ورئيس قسم القانون العام بكلية الدراسات القانونية والمعاملات الدولية – جامعة فاروس بالإسكندرية

تؤكد الدراسة المكونة من 47 صفحة على أن صدور إعلان من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من الرياض بنقل السلطة وتشكيل مجلس رئاسي في اليمن بتاريخ 7 إبريل 2022، قد خلق حالة من الاضطرابات في فهم دوافع القرار في ظل حالة جمود سياسي وأمني وفُرقة كبيرة واقتتال بين أبناء الوطن الواحد، كما خلق الإعلان حالة من الاضطراب في فهم وتفسير مضمونه ومدى قانونيته، الأمر الذي جعل القوى السياسية اليمنية في حيرة من أمرها في قبول أو رفض هذا الإعلان خاصة مع القبول الإقليمي والدولي الذي حظي به.

وأشارت الدراسة إلى أن الأساس الواقعي لإصدار الوثيقة يمثل الواقع على الأرض في اليمن ويُعدّ العامل الأقوى والصوت الأعلى المسموع في التأثير على الأحداث، كما أن مجاورة اليمن -الدولة الفقيرة اقتصاديا -لدول مجلس التعاون الخليجي الأغنى بين دول العالم بالموارد البترولية أخذها وبقوة في اتجاه التدخلات المتعددة في شؤونها الداخلية. كما أن التقارب المذهبي مع إيران من قبل "الحوثيين" قد أدى أيضاً إلى بلورة التدخلات وصياغتها تحت مسميات عقائدية مذهبية، وهو ما أدى إلى مزيد من تفاقم الأزمات.

وأضافت الدراسة إلى أن البروز على هيئة الراعي للحوارات والاتفاقيات والمؤتمرات بين الفرقاء في الداخل اليمني كثيرا ما كان يظهر الدول الخليجية بصورة الدول المستقرة الآمنة، ويظهر الدولة اليمنية وشعبها الذي ثار على الفساد والدكتاتورية بصورة الدولة المفتتة والمتضررة الخاسرة نتيجة هذا الفعل الثوري، وهي نظرة تحتاجها السلطات الخليجية لتصدرها لشعوبها وكي تحقق المزيد من الاستقرار لأنظمتها الحاكمة

كما تشكل الاستقطابات للرموز السياسية والعناصر الفاعلة المؤثرة في الواقع اليمني وشراء الولاءات الورقة الثانية في أجندة الأطراف الخارجية التي تتدخل بقوة في الساحة اليمنية، وقد برز مؤخراً وبقوة الاستغلال الشديد للخلافات المذهبية في إدارة الداخل من خلال استغلال القوة الإقليمية الخارجية لمعطيات التنوع المذهبي للشعب اليمني.

وجاء في الدراسة أن الموقع الخطير والمميز لليمن على مضيق باب المندب قد دفع الأنظمة الريعية التجارية مثل الإمارات العربية المتحدة التي تمتلك موانيها حصة من التجارة التي تمر من خلاله إلى التدخل والسيطرة على الجزر القريبة من المضيق لتأمين موانيها وتجارتها وللحصول على المزيد من النفوذ في هذه المنطقة الجيوستراتيجية من العالم. وكل هذه التشابكات وغيرها قد شكلت أساساً قوياً لسعي دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة صاحبتا النفوذ الأقوى في الداخل اليمني في التدخل لصدور ورعاية إعلان نقل السلطة اليمني.

وأكدت الدراسة استناداً إلى إعلان نقل السلطة على التغيرات الواقعية للنزاعات المسلحة ومناطق فرض النفوذ على أرض الواقع في اليمن، فتشكيل مجلس القيادة الرئاسي يدل على ذلك بشكل كبير، ويلاحظ ذلك من تشكيل مجلس القيادة الذي يستحوذ على مقدرات وسلطات رئيس الجمهورية ونائبه، أن أهم عنصر من العناصر التي اعتمد عليها تشكيل المجلس هو نتائج العمليات العسكرية على أرض الواقع في اليمن، والتي تنعكس على مناطق فرض النفوذ. لذا فإن نتائج العمليات العسكرية تمثل الأساس الواقعي الذي استند عليه إعلان نقل السلطة في اليمن، فالسيطرة العسكرية مثلت أهم الأسس التي تشكل عليها بناء مجلس القيادة الرئاسي.

الأساس القانوني لإصدار الوثيقة

توضح الدراسة أنه وبالاستناد للمبادرة الخليجية والدستور اليمني إلى عدم وجود ما يعطي الرئيس الحق في التفويض الإداري لكامل صلاحياته بهذا الشكل الذي جاء في إعلان نقل السلطة، فالأصل في التفويض أن يكون جزئياً، والتفويض الذي تم من خلال الرئيس هادي تم في كامل اختصاصات رئيس الجمهورية، وكامل اختصاصات نائبه، وهو ما يتنافى مع جوهر التفويض الإداري. ومن خلال تتبع الدراسة لمخرجات الحوار الوطني لا يمكن اعتماد هذه المخرجات كأساس لإعلان نقل السلطة

الوثيقة لا تمثل إعلاناً دستورياً

توضح الدراسة أن وثيقة تشكيل المجلس الرئاسي لا تمثل إعلاناً دستورياً، حيث إن الدستور اليمني كغيره من الدساتير نص على طريقة معينة يجب أن يتبعها المشرع الدستوري لإنشاء النصوص والقواعد الدستورية، وهو ما لم يتحقق في ظل حالتنا الراهنة، حيث أن رئيس الجمهورية هو من تصدى لإصدار هذه الوثيقة، دون أن تعرض على الشعب في استفتاء نظراً لحالة الحرب القائمة، وللظروف الأمنية والاقتصادية والإنسانية الصعبة، لذا فلا مجال من الناحية القانونية والدستورية لوضع هذه الوثيقة أو تسميتها بأي مسميات دستورية. ورغم أن الموضوعات التي تتضمنها هذه الوثيقة هي موضوعات متعلقة بنظام الحكم وبإعادة تشكيل سلطات الدولة، وهي موضوعات كلها موضوعات دستورية، إلا أنه لا مجال لإضفاء أي طابع دستوري لمسمى تلك الوثيقة.

نقل أم تفويض؟!

وفقاً للدراسة فإنه وبالرجوع إلى الوثيقة محل الدراسة فإن رئيس الجمهورية اليمنية في نهاية الديباجة قد ذكر أنه "وتنفيذاً لتوافقات شعبنا الكريم أصدرنا إعلان نقل السلطة بما هو آت: " وبالتالي فإن المسمى الذي أطلقه رئيس الجمهورية على هذه الوثيقة هو "إعلان نقل السلطة"، وهو مسمى عام لا يشير إلى أيّ قوة قانونية لهذه الوثيقة، ولا إلى مرتبتها بين غيرها من الوثائق. فهو قد قصر رؤيته للوثيقة على أنها إعلان، وأن هذا الإعلان يتضمن نقلا للسلطة، ورغم ذلك فقد جاء في المادة الأولى من هذا الإعلان في البند (أ) منها أن الرئيس فوض مجلس القيادة الرئاسي بموجب هذا الإعلان تفويضا لا رجعة فيه بكامل صلاحياته، وهو الأمر الذي يحمل مغزى قانوني لأن هناك فرقاً في المعنى والمدلول بين النقل والتفويض.

وتفيد الدراسة أنه ومن خلال السعي إلى الوصول لمسمى ملائم لهذه الوثيقة من الناحية القانونية، فإن المسمى الأنسب لها هو "إعلان نقل السلطة إلى مجلس قيادة رئاسي" وذلك استناداً على نص الوثيقة، ومراد مصدرها، وحقيقة مضمونها، وذلك بصرف النظر عن مدى شرعية هذا التصرف وهذا المسمى. وفي إطار البحث في وثيقة إعلان نقل السلطة إلى مجلس قيادة رئاسي في اليمن فلا بد من بحث مشروعية هذه الوثيقة، وهذه المشروعية تنطلق من مدى شرعية مصدرها، وهل إصدار مثل تلك الوثائق يدخل في اختصاصه، وما هو الوضع القانوني والدستوري لرئيس الجمهورية بعد إصدارها، وهل يجوز له سحبها؟.

ولذا وفي إطار الإجابة عن التساؤلات فإن هذه الدراسة تؤكد على أن نصوص الدستور اليمني ونصوص المبادرة الخليجية لا يخولان الرئيس عبد ربه منصور هادي تفويض كامل اختصاصاته لهيئة غير دستورية، وهنا يجب الإشارة لأهم المبادئ التي تضع الدستور في مرتبة قانونية عالية بالمقارنة بغيره من القواعد، وهو مبدأ علو وسمو قواعد الدستور، وهو ما يقطع تماماً بأنه لا تملك أيّ سلطة من سلطات الدولة بمن فيهم رئيس الجمهورية الحق في أن تعدل من شروط تفويضها وإلا فقدت سندها الشرعي في ممارسة هذا التفويض.

وعلى الرغم من نقل الرئيس اليمني لسلطته بإرادته المنفردة لمجلس القيادة الرئاسي إلا أنه لم يتخلَّ أو يتنحَّ عن منصبه، الأمر الذي يجعله محتفظاً بمنصبه الرئاسي لكنه منزوع الصلاحيات؛ فهو رئيس بلا صلاحيات، وبما أن الإعلان بنقل السلطة لا يستند إلا على إرادة الرئيس فقط دون سند معتبر من الدستور اليمني أو المبادرة الخليجية، فإن التزام الرئيس بعدم التراجع في التفويض هو التزام شخصي ينعقد بإرادة الرئيس دون خضوعه لأي التزام قانوني بعدم سحبه.

السيناريوهات المتوقعة

وفقاً للمعطيات السابقة للدراسة فإن إعلان نقل السلطة إلى قيادة جماعية سيؤدي باليمن إلى واحد من ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: أن يتوافق مجلس القيادة الرئاسي ويعمل بشكل جماعي على الحوار مع الحوثيين ويدمجهم بطريقة أو بأخرى فيه، ويستطيع تجميع اليمنيين تحت لوائه ويصل بالحوار إلى اتفاقات ملزمة لتقاسم السلطة بين القوى اليمنية المختلفة دون أن تتفتت اليمن إلى مقاطعات يحكمها أمراء الحرب. وهو سيناريو حالم ومبالغ في التفاؤل، خاصة مع رفض الحوثيين للمشاورات التي تمت في المملكة العربية السعودية، ولما خرج عنها من وثيقة إعلان نقل السلطة.

السيناريو الثاني: أن يتوافق أعضاء مجلس القيادة الرئاسي فيما بينهم ويضعوا أوزار الحرب على مناطق النفوذ، لكنهم لا يستطيعون التوصل إلى اتفاق سياسي مع الحوثيين، الأمر الذي يحولهم إلى مجلس حرب يدخل بشكل جماعي في حرب جماعية مع الحوثيين وتدعمهم دول الخليج لمحاولة حسم المعارك، مما يزيد من معاناة اليمنيين ويوسع من ساحة المعركة.

السيناريو الثالث: يتحقق حال عدم استطاعة مجلس القيادة الرئاسي حسم الأمور من الناحية العسكرية مع الحوثيين، حينها تتجمد الأمور وتظل مناطق النفوذ العسكري لكل قائد من مجلس القيادة كما هي وتترسخ له عناصر السلطة فيها بعد أن تحول من قائد عسكري مسيطر إلى قائد سياسي حاصل على شرعية سياسية، مما يجعل اليمن عرضة للتقسيم السياسي المدعوم عسكرياً وربما إقليمياً، وهو السيناريو الأكثر واقعية، إلا إذا  كانت أوراق اللعبة العسكرية والسياسية بيد الخارج اليمني كاملة، وهنا نخضع لإرادة وأهواء الخارج سواءً من ناحية التوجه لدعم الوحدة أو التقسيم.

اكتساب الشرعية

أخيرا وفيما يتعلق باكتساب الشرعية الجزئية تشير الدراسة إلى أنه من خلال اجتماع مجلس القيادة الرئاسي أمام مجلس النواب أو من حضر منهم لأداء القسم هو أمر شكلي ودلالاته القانونية ضعيفة، والغرض منه إقرار واقع جديد أمام وسائل الإعلام والمجتمع الدولي وأخذ الصبغة الدولية والاعتراف الدولي لحضور سفراء الدول ومندوب الأمم المتحدة. ونظرا لأن مجلس النواب بحالته المشار إليه سابقاً، فإن إعلان نقل السلطة قد أناط بمجلس القيادة الرئاسي القيام بمهام رئيس الجمهورية المحددة في المبادرة الخليجية، كما أناط بالهيئات الأخرى المنشئة في القرار القيام بمهام كان الأولى بمجلس النواب ولجانه المختلفة القيام بها.

قال توفيق الحميدي رئيس منظمة سام هذا العمل هو باكورة وحدة الدراسات والبحوث في منظمة سام والتي تقرر إنشاؤها مؤخرا، وتهدف إلى ملء الفراغ في الدراسات القانونية والحقوقية ، وتقديم إجابات للكثير من الأسئلة التي تفرضها ظروف المرحلة ، إضافة إلى فتح آفاق جديدة أمام الباحثين القانونيين الجادّين .

تحميل الدراسة باللغة العربية