
عقدت منظمة سام للحقوق والحريات ورابطة أمهات المختطفين، الثلاثاء 25 أغسطس 2026، ندوة نقاشية بعنوان «تعثر السلام وتحديات المساءلة في اليمن: دور العقوبات الدولية والتوثيق في مواجهة الإفلات من العقاب»، ضمن مشروع سبارك (SPARK) المدعوم من معهد دي تي (DT Institute)، وبمشاركة منتدى سفراء العدالة الانتقالية، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز النقاش حول العدالة الانتقالية ودور المجتمع المدني في الدفع نحو المساءلة في اليمن.
وشارك في الندوة توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، والمحامي السوري أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، فيما تناول النقاش واقع التوثيق الحقوقي في اليمن، والتحديات التي تعيق تحويل الكم الكبير من الشهادات والوثائق والمعلومات المتراكمة خلال سنوات النزاع إلى ملفات يمكن استخدامها في العقوبات والتحقيقات القضائية ومسارات العدالة الانتقالية.
وقال الحميدي إن المشكلة في اليمن لم تعد تتمثل في غياب المعلومات أو نقص التوثيق، إذ راكمت المنظمات الحقوقية خلال سنوات الحرب آلاف الشهادات والوقائع والصور والوثائق المتعلقة بأنماط متعددة من الانتهاكات، من بينها التعذيب والاحتجاز ونهب الممتلكات وتفجير المنازل والقصف والتجنيد. غير أن هذا التراكم، بحسب الحميدي، لم يتحول بالقدر نفسه إلى مساءلة فعلية، في ظل ضعف المؤسسات القضائية والتشريعية وعدم بناء كثير من مواد التوثيق منذ البداية وفق متطلبات التحقيق القضائي.
وأوضح أن الانتقال من التقرير الحقوقي إلى ملف للمساءلة يتطلب مستوى مختلفًا من جمع الأدلة، بحيث لا يقتصر الأمر على إثبات وقوع الانتهاك، وإنما يمتد إلى تحديد المسؤولين وسلاسل القيادة والجهات التي أصدرت التعليمات أو موّلت أو سهّلت وقوع الانتهاكات. كما أشار إلى أن تعدد منهجيات التوثيق بين المنظمات، وضعف تبادل المعلومات، والاستقطاب السياسي، وعدم استقرار فرق الرصد، أسهمت في إضعاف القدرة على بناء ملفات متماسكة يمكن الدفع بها نحو مسارات أكثر تقدمًا للمحاسبة.
وفي هذا السياق، دعا الحميدي منظمات المجتمع المدني اليمنية في الداخل والخارج إلى تأسيس تكتل من أجل العدالة الانتقالية يقوم على ميثاق شرف وآليات وأولويات مشتركة، معتبرًا أن مثل هذا التكتل يمكن أن يمنح الصوت الحقوقي اليمني حضورًا أقوى داخليًا وخارجيًا، ويساعد على تقليص حالة التشتت والفجوة بين العاملين في المجال الحقوقي داخل اليمن والمنظمات والناشطين الموجودين في الخارج.
من جانبه، استعرض أنور البني عددًا من الدروس المستفادة من التجربة السورية، موضحًا أن المساءلة لا تقتصر على الجانب القضائي، بل تتوزع على مستويات أخلاقية وشعبية وسياسية وقضائية، وأن لكل مستوى منها متطلبات مختلفة في عملية التوثيق. وشدد على أهمية التمييز بين التقرير الذي يهدف إلى فضح الانتهاكات أمام الرأي العام، والملف الموجه إلى المؤسسات السياسية والدولية، والملف المعد للتقديم أمام جهات التحقيق والمحاكم.
كما تناول البني إمكان الاستفادة من الولاية القضائية العالمية في بعض الدول الأوروبية في بناء ملفات تتعلق بالجرائم الدولية الجسيمة، مستعرضًا تجربة منظمات المجتمع المدني السوري في تقديم ملفات أمام سلطات قضائية أوروبية. واعتبر أن فتح مسارات قضائية مستقلة، حتى في الحالات التي لا تؤدي سريعًا إلى محاكمات، يمكن أن يشكل أداة ضغط تمنع إعادة تأهيل المتورطين في الجرائم سياسيًا وتفرض حضور المجتمع المدني والضحايا في أي ترتيبات مستقبلية.
وشدد البني على ضرورة ألا يترك ملف العدالة الانتقالية بالكامل للسياسيين، معتبرًا أن إحدى أهم نتائج التجربة السورية تمثلت في قدرة المجتمع المدني على فتح مسارات قانونية مستقلة عن مسارات التفاوض السياسي، الأمر الذي منح ملف المساءلة قدرًا من الاستقلالية ووضع قيودًا أمام محاولات تجاوز الجرائم ضمن التسويات السياسية.
وتطرقت الندوة بصورة موسعة إلى العلاقة بين السلام والعدالة، حيث أكد المتحدثون أن تجاهل المساءلة أو تأجيل حقوق الضحايا لا يوفر أساسًا مستدامًا لبناء السلام. وقال الحميدي إن التجربة اليمنية أظهرت أن تجاوز آثار النزاعات السابقة من دون معالجة جذورها أو مساءلة المسؤولين عنها أدى إلى إعادة إنتاج كثير من الأزمات والانقسامات في مراحل لاحقة، محذرًا من بناء سلام فوق مشكلات لم تتم معالجتها.
كما ناقش المشاركون التحديات القانونية المرتبطة بقضايا الإخفاء القسري، وصعوبة إثبات بعض الجرائم أمام المحاكم خارج اليمن، إلى جانب مسألة تحديد المسؤولية الفردية في الجماعات التي تستخدم الأسماء المستعارة أو تخفي هويات عناصرها. وأوضح البني أن التركيز على سلاسل القيادة والمسؤولية القيادية يمكن أن يساعد في تجاوز صعوبة تحديد هوية كل منفذ مباشر، خصوصًا عندما تكون هويات المسؤولين عن الفروع أو القيادات ومواقعهم في التسلسل التنظيمي معروفة.
وشهدت الندوة كذلك نقاشًا حول دور الصحافة والإعلام في نقل قضايا الضحايا من القوالب التقنية والأرقام إلى قصص إنسانية أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور. وأكد المشاركون أهمية تعزيز التعاون بين المنظمات الحقوقية والصحفيين، إلى جانب الاستفادة من أدوات أخرى مثل البودكاست والأعمال الفنية والتحقيقات والقصص الإنسانية في حفظ ذاكرة الضحايا وتعزيز الوعي العام بالانتهاكات.
وفي ختام الندوة، أعرب البني عن استعداده، إلى جانب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، لتقديم الخبرة والمساعدة للحقوقيين اليمنيين في مجال بناء ملفات المساءلة والاستفادة من التجارب القانونية الدولية، مؤكدًا أن اليمنيين واليمنيات يستحقون العدالة والعيش في بلد يوفر مستقبلًا أفضل للأجيال المقبلة.