

«إحنا تبع الشهيد محمد علي مهدي… قُتل قبل خمس سنوات… وكان يتابع قضية بيوته».
بهذه التصريح، تحدثت شقيقة محمد مهدي لمنصات التواصل الاجتماعي في أكتوبر الماضي. مؤكدة بأن الأسرة ما تزال تقف عند عتبة بيتها، وتطالب ـ قبل ذلك ـ بالعدالة لشقيقها الذي قُتل وهو يسعى لاستعادة منزلي الأسرة الواقعين قرب خطوط النار. القضية معقّدة في موقع ملتبس، كانت الحرب سببًا مباشرًا في نشوئها، كما كان استمرارها سببًا في تعقيدها وإطالة أمدها.
منذ عام 2015، دخلت مدينة تعز واحدة من أكثر مراحلها قسوة، حين اجتاحها مسلحو مليشيا الحوثي وحلفاؤهم من أنصار الرئيس الأسبق وتشكيلاته العسكرية. تغيّرت ملامح المدينة سريعًا؛ نزح آلاف المدنيين تاركين منازلهم وشققهم، أغلقت مؤسسات خاصة أبوابها، وبدت مؤسسات الدولة مترنحة وسط فوضى الاقتحامات والاستهدافات المباشرة.
ومع امتداد الحرب، تحولت تعز، وهي المحافظة اليمنية الأكثر كثافة سكانية، إلى ساحة عمليات مفتوحة. لم يقتصر الدمار على القذائف التي سقطت على البيوت، إذ تمدد أثر الحرب لاحقًا ليطال جوهر الحق في السكن والملكية. وبعد نحو عقد، برزت إشكاليات معقّدة تمس مئات المباني السكنية والعامة، وتهدد السلم المجتمعي في مدينة لم تلتقط أنفاسها بعد.
أفرزت الحرب واقعاً صعباً للغاية. استُغلت فيه المباني لأغراض شتى: مقار عسكرية بديلة، مساكن للنازحين وأسر الشهداء، سكن لعائلات عسكريين، مواقع خاضعة لما يسمى «الضرورة العسكرية»، أو مبانٍ وقعت تحت سيطرة جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، مبان مهدمة. ومع استمرار التهديدات الأمنية، ولا سيما في المناطق القريبة من خطوط النار، تحفّظت الجهات العسكرية على الإخلاء بذريعة حماية الأرواح أو متطلبات العمليات القتالية. وفي المقابل، أسهم ضعف تطبيق القانون وتعقيد إجراءاته ـ خصوصًا اشتراط الشكاوى الرسمية وغياب قرارات إدارية حاسمةـ في إطالة أزمة المباني البعيدة عن خطوط النار، مثل المباني التي يتنازع عليها الورثة، أو الأخرى التي ينتفع منها النافذون.
معالجة حكومية متعثرة
في أغسطس/آب 2018، صدر القرار الجمهوري رقم (121) بتشكيل لجنة برئاسة العميد عبده فرحان سالم، مستشار قائد محور تعز العسكري، بهدف تطبيع الحياة وتسليم المرافق والمنشآت والمباني العامة والخاصة إلى أصحابها. جاء القرار في سياق تصاعد موجة اغتيالات داخل أحياء سكنية كانت خاضعة لسيطرة مسلحين خارج القانون، ينتمون إلى كتائب أبو العباس.
خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2017، سُجلت 108 حالات اغتيال، وفق تقرير «القتل الخفي والقاتل المعلن» الصادر عن مركز التأهيل لحقوق الإنسان (أهلي) عام 2018، والذي خلص إلى أن الاغتيالات كانت ممنهجة وتستهدف شريحة واحدة يجمعها موقفها المناهض للحوثي وصالح.
بحسب تقرير للجنة الرئاسية، اطلعت عليه منظمة سام، فإن79 مبنى من التي جرى تسليمها كانت خاضعة لسيطرة ما وُصف بـ«الخارجين عن القانون»، بينها 28 منشأة حكومية و51 مبنى خاصًا، استُخدمت للقنص والاجتماعات والسكن. وبحسب إفادات أمنية، تعرّضت هذه المباني لنهب واسع طال الأثاث والبنية التحتية، فيما أشار ضباط إلى أن استعادتها كانت مكلفة بشريًا، لكنها اعتُبرت ضرورية لإعادة مؤسسات الدولة، خصوصًا في منطقة العرضي المتاخمة للجحملية شرق المدينة.
مبادرة مجتمعية لسد الفراغ
لم تنهِ اللجنة الرئاسية إشكاليات المباني، في ظل شحة الإمكانيات واستمرار الحرب، ونتيجة لذلك ظلت إشكاليات المباني تتراكم. أمام هذا الواقع، بادرت منظمة سام للحقوق والحريات مطلع عام 2025 إلى تشكيل لجنة الوفاق والمصالحة، ضمن مشروع SPARK لدعم السلام، وبتمويل من معهد (DT)، كإطار مجتمعي يسعى إلى مقاربة مختلفة.
تكوّنت اللجنة من شباب ونساء، ووجاهات اجتماعية، وممثلين عن المتضررين، ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب خبراء قانونيين وقضائيين، ورجال أمن، ومنتسبين للمؤسسة العسكرية، ما أتاح معالجة القضايا من زوايا متعددة. واعتمدت سام منهجية استقصائية شملت فرقًا ميدانية وتحققًا رقميًا، وجمع وثائق الملكية، وإجراء مقابلات مع الملاك والساكنين والضباط، وبناء قواعد بيانات لحصر القضايا.
وتدخلت اللجنة في عشرات الملفات عبر الوساطة والتفاوض، خاصة في المناطق البعيدة عن خطوط التماس، ونجحت في حل 30 قضية، مع استمرار العمل على 33 قضية أخرى. كما نسّقت مع السلطة المحلية والجهات الأمنية والعسكرية واللجنة الرئاسية، وأسهمت في إعادة تسليم عدد من المنازل. ونظمت سام جلسات استماع تشاورية وورش عمل، منحت الضحايا مساحة لعرض معاناتهم مباشرة، ما شكّل ضغطًا أخلاقيًا ومؤسسيًا باتجاه الحل.
النازحون والنافذون
تعود أسباب تعثّر إعادة المباني الخاصة إلى أصحابها إلى تداخل معقّد بين الاعتبارات الإنسانية والحقوق القانونية، إذ يعني إخلاء كثير من المنازل تشريد نازحين وأسر بلا بدائل في مدينة تعاني اكتظاظًا سكانيًا حادًا وغيابًا شبه كامل لمراكز الإيواء.
وفي إحدى الجلسات التي نظمتها منظمة سام، قال ممثل الوحدة التنفيذية للنازحين، علي قائد: «عندنا في المدينة ازدحام وكثافة سكانية كبيرة ولا توجد أراضٍ واسعة لعمل مراكز لاستقبال النازحين فيها… داخل المدينة صعب الحصول على أماكن مناسبة لعمل مراكز استقبال النازحين».
ورغم اتساع نطاق المشكلة، لم تقدّم اللجنة الرئاسية أو السلطة المحلية حلولًا جذرية لإسكان عشرات النازحين وأسر الشهداء وعائلات منتسبي المؤسسة العسكرية الذين يقيمون في مبانٍ حكومية وخاصة. ووثّقت منظمة سام خروج «21 أسرة نازحة» من عدد من المباني الحكومية، إلى جانب خروج 24 أسرة من مبنى خاص كان يقطنه منتسبون للمؤسسة العسكرية، ما يعكس حجم الإخلاءات الجزئية دون معالجات مستدامة.
وفي هذا السياق، علّق العقيد وهيب الهوري على إشكالية المباني الواقعة خارج الخريطة الأمنية، مؤكدًا ضرورة التعامل معها بحذر وروية، وقال: إن «الحقوق لا يمكن إنكارها، ولا بد أن تُعاد الممتلكات إلى أصحابها بطرق سليمة ودون الإضرار بالمصلحة العامة». وأوضح أن المباني الملاصقة لخطوط التماس جرى التعامل معها، في فترات تصاعد النزوح، كمساكن إيواء مؤقتة للنازحين، متسائلًا عن البدائل الممكنة في ظل غياب أماكن آمنة لنقلهم إليها، ومشيرًا إلى أن إخراجهم إلى الشارع سيخلق مشكلة إنسانية أكبر.
وبحسب بيانات اللجنة الرئاسية المختصة، بلغ عدد المباني والمؤسسات الحكومية التي وصلت إشكالياتها إلى اللجنة 146 مبنى، فيما وصل عدد المباني والمنازل الخاصة، وفق الشكاوى المقدمة عبر السلطة المحلية أو التواصل المباشر من المواطنين، إلى 502 مبنى، ليصل العدد الإجمالي إلى 648 مبنى ووحدة سكنية، جرى تسليم 395 منها، بينما لا تزال 253 مبنى قيد المتابعة.
وعرض المحامي ذي يزن السوائي، عضو لجنة الوفاق التي شكلتها منظمة سام، قضية عمارة بيت التويتي التي تضم 36 شقة، بوصفها نموذجًا لأزمة إسكان عائلات بعض العسكريين الذين تقع منازلهم في مناطق سيطرة الحوثيين، في ظل غياب مدن سكنية مخصصة وضعف الرواتب. ورغم صدور حكم قضائي بإخلاء العمارة، أفاد محامي المالك أن الضابط المعني لا يقيم فيها، بل قام بإسكان أفراده.
ويرى عبدالله جسار، رئيس لجنة الوفاق والمصالحة، أن حصر المسؤولية في طرف واحد يسهّل المعالجة بدل التشتت بين عشرات الخصوم، مؤكدًا أن تدخلات اللجنة في قضايا مشابهة أثبتت أن الحل ممكن متى ما توفرت الإرادة المؤسسية.
على خطوط النار
تظل المباني القريبة من خطوط التماس الأخطر، حيث يتقاطع الأمن مع الحق في الحياة. رصدت سام منازل مدمّرة استُخدمت للإيواء، وأخرى خاوية يُشتبه بانتماء ملاكها، ومبانٍ بقي سكانها فيها رغم الاستهداف المتكرر.
في حي بازرعة، أفاد السكان بأن منظمة مدنية رممت بعض المنازل، فيما سكنت أسر نازحة بيوتًا متصدعة، ما خلق توترات مع القيادات العسكرية. وأكد عاقل الحي أن السماح بالسكن جاء بضمانات اجتماعية، رغم خطورة المنطقة، قبل أن تنفجر لاحقًا نزاعات بين الملاك والساكنين. وروى العقيد وهيب الهوري حادثة سمح فيها لإحدى الأسر بالسكن، قبل أن يعثر أطفالها على قذيفة من مخلفات الحرب انفجرت وأودت بحياة أحدهم.
ودعت الناشطة صفاء فاضل إلى تدخل عاجل من السلطة المحلية لتحرير عقود إيجار ودفع الإيجارات نيابة عن العسكريين غير القادرين، بما يحفظ حقوق الملاك. ورغم القيود الأمنية، وثّقت سام حالات استثنائية أُعيدت فيها منازل لأصحابها، من بينها حالة صفية، التي ظلت تزور منزلها القريب من خط النار باكية، حتى أُعيد إليها بتدخل مباشر من العقيد الهوري.
وفي أحياء مثل النجد والشرف وصالة، لم يقترب الجيش من منازل المدنيين، لكن السكان واجهوا استهدافًا ممنهجًا من الحوثيين. ومن الحالات الموثقة، استهداف أسرة (ص.م) في حي الزهراء، حيث سقط سبعة من أفرادها بين 2015 و2024، آخرهم طفلة في السابعة وزوجة شقيقها، وسط تعذر إسعافهما بسبب القنص.
المخاوف الأمنية والضرورة العسكرية
في جلسات الاستماع، روت انتظار كيف تعيش منذ عشر سنوات في منزل مستأجر قرب بيتها المستولى عليه، دون جدوى من مراجعاتها المتكررة، لتواجه دائمًا بعبارة: «اصبري حتى يأتي أمر الله والفرج القريب». وتُحرم انتظار من المساعدات الإنسانية بسبب اتهامات طالت زوجها بانتمائه لجماعة الحوثي، علماً أن زوجها أُصيب في البعرارة أول الحرب وفقد ذاكرته، قبل أن ينتقل إلى مسقط رأسه في محافظة ذمار.
وتُطرح تساؤلات حول المنازل الخاوية التي يُشتبه بانتماء ملاكها للحوثيين. وأوضح، عبدالله عبدالجبار، وهو عاقل حي متاخم لخطوط النار، أن غياب آلية واضحة يخلق فراغًا قانونيًا وأمنيًا. وتدخلت لجنة البيوت في قضية منزل الدكتورة حورية الجنيد، التي قاربت على الحل.
ويرى سعيد الصبري، قائد كتيبة في اللواء 22، أن هذه البيوت لا ينبغي تسليمها مباشرة، مقترحًا الاستئجار أو التبادل السكني، محذرًا من تخطيط حوثي لخلق نزاعات بين الجيش والملاك.
وعرج الضابط في محور تعز العسكري، وهيب الهوري، إلى واحدة من النماذج التي رفعت الهاجس الأمني لدى المقاتلين، حيث عاد أحد الأشخاص الذي أوهمهم بأنه مدرس إلى الأحياء المتاخمة لخطوط النار مطالباً بمنزله، وتقديراً لظروفه تم السماح له بالسكن. قبل اكتشاف أنه كان ضمن ضباط الحرس الجمهوري الذي انخرطوا مع المليشيا، وكان يمتلك 11 هاتفًا نقالًا، ما أثار الشكوك حول نشاطه، قبل اكتشاف أنه ركّب كاميرا مراقبة تطل على الشارع، مما زاد من المخاوف الأمنية.
وتُعد فلتا محمد مهدي في حي مدينة النور، من المباني التي يشار إليها بوصفها واقعة في نطاق الضرورة العسكرية، قرب موقع الدفاع الجوي. نزحت عائلة مهدي مع بداية الحرب، وعاد محمد من اغترابه في المملكة العربية السعودية عام 2020، مطالبًا بإخلاء الفلتين دون جدوى. وبحسب مصدر ميداني، يرتبط موقع الفلتين بممر آمن لتحركات الجيش الوطني.
وفي 27 أغسطس/آب 2020، وأثناء عودة محمد مهدي في ساعة متأخرة من الليل، صادف وجود جنديين من شرطة النجدة، من بين الأفراد الذين جرى الدفع بهم حديثًا لتعزيز الجبهة، وكانا في طريقهما نزولًا من الموقع العسكري. وبحسب مصدر مطلع على القضية، وقع اشتباك بين الطرفين في الظلام نتيجة الخوف المتبادل، لكون الجنديين في مهمة تعزيز لأول مرة. وخلال التنازع على السلاح، انطلقت عدة طلقات نارية أصيب على إثرها محمد مهدي في فخذه. وبعد دقائق، حضر طقم عسكري يقوده أركان حرب الكتيبة الأولى، معاذ الشجرة، وتم إسعاف محمد مهدي، إلا أنه فارق الحياة لاحقًا في المستشفى.
وتبقى جبهة الدفاع الجوي من أخطر جبهات تعز، حيث شهدت في مايو/أيار 2021 هجومًا واسعًا أسفر عن استشهاد تسعة من منتسبي الجيش الوطني، بينهم معاذ الشجرة، لتظل الأسئلة حول العدالة والملكية معلّقة، بانتظار نهاية حرب لم تنتهِ بعد.
نحو حل شامل لإشكاليات المباني
خلصت منظمة سام للحقوق والحريات إلى أن الانتهاكات المرتبطة بالمباني في مدينة تعز تعود أساسًا إلى استمرار الحرب، وغياب الأطر المؤسسية المنظمة للسكن والانتشار العسكري في مدينة لا تزال أقرب إلى مسرح عمليات مفتوح، إلى جانب التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية. وقد أسهمت هذه العوامل في تقويض الحق في السكن والملكية، وتعريض المدنيين لمخاطر جسيمة، خصوصًا في المناطق القريبة من خطوط التماس، بينما أضعف غياب تعريف واضح لـ«الضرورة العسكرية» و«العمق الأمني» فرص الضحايا في الوصول إلى الإنصاف القانوني.
وانطلاقًا من هذه الخلاصات، دعت المنظمة السلطات المعنية إلى تبني معالجات عاجلة تشمل إنشاء آلية تنسيق مدنية/عسكرية لتنظيم أوضاع التسكين بعقود قانونية واضحة، وتقديم دعم نقدي وبرامج اقتصادية للأسر المتضررة وتحديداً النازحين وأسر الشهداء، إلى جانب توثيق الملكيات وتشكيل لجنة محايدة للتحقق من الشكاوى، وتوفير بدائل سكنية آمنة للمنازل الواقعة في خطوط التماس، مع تفعيل المصالحة وجبر الضرر.
وبحسب خلاصة الجلسات التشاورية التي نظمتها سام، فإن إنصاف الضحايا يبدأ بقرارات إدارية، صادرة عن مؤسسات الدولة، توازن بين المصلحة العامة والحقوق الخاصة.
وأشارت منظمة سام، بأن نتائج المبادرة التي نفذتها منظمة سام، ضمن مشروع SPARK لدعم السلام، بتمويل من معهد (DT)، أكدت أن إشراك وسطاء محايدين من المجتمع المدني يسهّل الوصول إلى حلول عملية، ويخفف الاحتقان، ويمنح الضحايا صوتًا، ما يجعل دعم هذه الأدوار أساسًا لأي حل مستدام لإشكاليات المباني في تعز.