
قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن إعادة النقاش الإعلامي حول الضربات الجوية للتحالف في اليمن أعادت فتح أحد أكثر الملفات إلحاحًا في سياق النزاع، وهو ملف حماية المدنيين ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وذلك في ضوء تحليل نوعي لآلاف الوقائع الموثقة التي تكشف عن أنماط متكررة من الأذى البشري والتدمير واسع النطاق للأعيان المدنية.
وأوضحت المنظمة أن تحليل بيانات موثقة لنحو 2458 واقعة خلال أعوام متعاقبة يُظهر استمرارية زمنية للضربات وكثافة عملياتية مرتفعة، حيث سُجل أكثر من 1320 حادثة في عام واحد، تلاه عام آخر بما يزيد عن 1100 واقعة، في مؤشر يعكس أن العمليات لم تكن حوادث متفرقة، بل اتخذت طابعًا ممتدًا يثير تساؤلات جدية حول كفاية إجراءات التحقق من الأهداف وتدابير تقليل الضرر المدني.
وبيّنت سام أن التوزيع الجغرافي للضربات يكشف تركّزًا واضحًا في محافظات تعز وصعدة وصنعاء والحديدة وحجة، وهي مناطق تضم كثافة سكانية مرتفعة أو بيئات حضرية مختلطة، ما جعل الخط الفاصل بين الأهداف العسكرية والحيز المدني شديد الهشاشة. وأشارت إلى أن تكرار الضربات في النطاقات ذاتها حوّل بعض المناطق إلى ما يشبه “جغرافيا الخطر الدائم”، حيث يعيش المدنيون تحت تهديد مستمر.
ووفق التحليل، شكّلت حالات القتل نحو 63% من إجمالي الأضرار البشرية، مقابل قرابة 30% إصابات، وهو نمط يعكس شدة التأثير المباشر للضربات. كما أن ارتفاع الوفيات مقارنة بالإصابات قد يدل على استخدام ذخائر عالية الانفجار أو وقوع الضربات في مناطق مأهولة، الأمر الذي يستدعي تقييمًا دقيقًا لمدى احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
وأضافت المنظمة أن آثار الضربات لم تقتصر على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى تدمير المنازل والمركبات والمحال التجارية والمزارع والآبار والطرق والجسور، فضلًا عن مرافق خدمية وطبية، ما أدى إلى تفكيك البيئة المعيشية لآلاف الأسر وتقويض مصادر الدخل ودفع مزيد من السكان نحو النزوح، وهو ما يرقى إلى صدمة تنموية طويلة الأمد تتجاوز حدود الضرر المباشر.
كما أظهرت القراءة الديموغرافية للضحايا حضورًا لافتًا للفئات الشابة، بما يحمله ذلك من تداعيات مستقبلية على سوق العمل والتعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، في حين تتسع الآثار غير المباشرة لتشمل التفكك الأسري، والاضطرابات النفسية، وتآكل ثقة المجتمعات المحلية في منظومات الحماية القانونية.
خلال الفترة 2015 - 2022، نفذ طيران التحالف بقيادة السعودية غارات جوية على اليمن بلغ إجمالي عددها 25,054 غارة. وتوزعت هذه العمليات بين 8,121 غارة استهدفت مواقع عسكرية، و 7,055 غارة استهدفت مواقع غير عسكرية، بالإضافة إلى 9,878 غارة صُنفت أهدافها على أنها مجهولة، وفقاً لمشروع بيانات اليمن.
نفذ التحالف بقيادة السعودية سلسلة من العمليات العسكرية التي أدت إلى وقوع خسائر بشرية جسيمة في صفوف المدنيين خلال الفترة ما بين عامي 2015 و2022. ووفقاً للبيانات المتاحة، بلغ إجمالي عدد الضحايا المدنيين 19,226 شخصاً. ومن بين هذا الرقم الإجمالي، سُجلت وفاة 8,983 قتيلاً، في حين وصل عدد الجرحى والمصابين إلى 10,243 شخصاً. تبرز هذه الأرقام حجم المعاناة الإنسانية الكبيرة التي خلفها النزاع على مدار تلك السنوات.
وفي سياق متصل، كشفت سام أنها وثّقت 67 ضربة جوية استهدفت قوات الجيش اليمني، وأسفرت عن وفاة العشرات وإصابة المئات من أفراده، في وقائع تثير مخاوف إضافية بشأن دقة تحديد الأهداف وآليات التنسيق العسكري، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول إجراءات منع الخطأ العملياتي وضمان المساءلة عند وقوعه.
كما أكدت المنظمة أن الاتهامات المباشرة المتداولة إعلاميًا بشأن ضلوع دولة الإمارات في بعض هذه الانتهاكات تمثل مزاعم بالغة الخطورة لا يجوز التعامل معها في إطار السجال الإعلامي أو التوظيف السياسي، بل ينبغي إحالتها إلى مسار مهني قائم على الأدلة والتحقيق المحايد. وأوضحت أن خطورة هذه الادعاءات، وما قد يترتب عليها من مسؤوليات قانونية دولية، تستوجب فتح تحقيق من قبل لجنة دولية مستقلة تتمتع بولاية قانونية واضحة وخبرة فنية متقدمة، وقادرة على الوصول إلى المعلومات وتحليلها، بما في ذلك مراجعة سلاسل القيادة والبيانات العملياتية والأدلة الرقمية، لضمان كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفقًا لمعايير القانون الدولي.
وأكدت المنظمة أن تكرار هذه الأنماط، مقرونًا بغياب تحقيقات مستقلة وشفافة، يهدد بتكريس الإفلات من العقاب ويقوّض حق الضحايا في معرفة الحقيقة والإنصاف. وشددت على أن المساءلة ليست مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل شرطًا أساسيًا لمنع تكرار الانتهاكات وتعزيز حماية المدنيين.
ودعت منظمة سام الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة تتمتع بولاية واضحة وصلاحيات كاملة، وتضم خبراء فنيين قادرين على تحليل قواعد البيانات الكبيرة، والصور بالأقمار الصناعية، والأدلة الرقمية والجنائية، ومراجعة تسجيلات العمليات العسكرية، إضافة إلى الاستماع إلى أعضاء غرف العمليات المشتركة ولجان تقييم الحوادث التي أصدرت تقارير بشأن بعض الوقائع، بما يضمن بناء سردية موثوقة للحقيقة وتحديد المسؤوليات وفق المعايير الدولية.
وشددت سام على أن أي مسار تحقيق فعّال يجب أن يقوم على الاستقلالية والكفاءة وأن يضع الضحايا في صميم العملية، عبر ضمان حقهم في جبر الضرر وعدم التكرار. وختمت المنظمة بالتأكيد على أن فتح تحقيق دولي جاد لم يعد خيارًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها جسامة الانتهاكات واتساع آثارها، وأن حماية المدنيين واجب قانوني لا يقبل المساومة، بينما يبدأ إنصاف الضحايا بكشف الحقيقة على نحو مهني ومحايد.