
جنيف - ترحّب منظمة سام للحقوق والحريات بالإفراج عن الكاتب محمد المياحي بعد سبعة عشر شهرًا من الاحتجاز على خلفية آرائه، وعن المهندس أكرم محمد مقبل الشيباني بعد نحو أربعة أعوام من الاعتقال في صنعاء، كما تستقبل بارتياح عودة مختار الجبلي إلى أسرته عقب أكثر من عشر سنوات قضاها رهن الاحتجاز منذ اختطافه في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2015. وتُعدّ هذه الخطوات، من حيث بعدها الإنساني، تطورًا مهمًا طال انتظاره.
غير أنّ هذه الإفراجات، وعلى أهميتها، لا يمكن اعتبارها خاتمة للانتهاك؛ إذ تكشف في الوقت ذاته عن اختلالات عميقة في بنية العدالة، حيث تحوّل الاحتجاز في مثل هذه القضايا إلى وسيلة لإسكات الرأي أو تعطيل الحياة العامة خارج إطار الضمانات القانونية الواجبة. وقد جرت هذه الاحتجازات، وفق ما وثقته المنظمة في سياقات مماثلة، في ظل غياب الإجراءات القضائية السليمة، بما في ذلك الحرمان من الحقوق الأساسية المكفولة في الدستور اليمني، وفي المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاعتقال التعسفي وتكفل حق الطعن الفوري أمام قضاء مستقل. ومن ثمّ، فإن احتجاز أشخاص لمدد مطوّلة دون محاكمة عادلة، أو استنادًا إلى اتهامات فضفاضة أو كيدية، يشكل انتهاكًا جسيمًا لسيادة القانون ويقوّض الثقة بالمؤسسات.
وفي هذا السياق، تمثل قضية مختار الجبلي نموذجًا صارخًا للكلفة الإنسانية الباهظة لغياب العدالة؛ إذ اختُطف في السادسة والعشرين من عمره، ولم يعد إلى أسرته إلا بعد عقد كامل تغيّر خلاله محيطه الاجتماعي والمهني. عشر سنوات من الحرمان من الحرية تعني انقطاعًا قسريًا عن العمل، وتجميدًا لمسار الحياة الطبيعية، وحرمانًا من أبسط أشكال الاستقرار. كما لفتت التجارب المماثلة إلى ما يخلّفه الاحتجاز المطوّل من آثار نفسية عميقة، من بينها اضطرابات الصدمة وصعوبات الاندماج والشعور بالاغتراب عن الواقع الاجتماعي، فضلًا عمّا تكبّدته الأسرة من قلق ممتد وعدم يقين أضعف إحساسها بالأمان وأثّر في بنيتها الاجتماعية.
وإذ تشير هذه الحالات إلى نمط أوسع من الاحتجازات المرتبطة بتقييد حرية الرأي أو توظيف منظومة العدالة لأغراض سياسية، فإن توثيق مئات الوقائع المشابهة منذ عام 2015 يعزز المخاوف بشأن الطابع الممنهج لهذه الممارسات، ويؤكد الحاجة إلى معالجة جذرية لا تكتفي بالإفراج بوصفه إجراءً منفردًا.
وانطلاقًا من ذلك، ترى منظمة سام أن الإفراج، رغم ضرورته، لا يُسقط المسؤولية القانونية ولا يعالج آثار الانتهاك ما لم يتبعه مسار متكامل يقوم على الاعتراف الرسمي بعدم مشروعية الاحتجاز، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة تُفضي إلى مساءلة المتورطين، وضمان جبر الضرر في أبعاده المادية والمعنوية عبر تعويض عادل وردّ الاعتبار، إلى جانب توفير دعم نفسي متخصص وبرامج إعادة إدماج اجتماعي ومهني مستدامة تكفل استعادة الضحايا لمكانتهم وحقوقهم بصورة كاملة.
كما تؤكد المنظمة أن حفظ الأدلة وتوثيق الانتهاكات يمثلان ركيزة أساسية لأي مسار عدالة انتقالية مستقبلي، إذ إن الإفلات من العقاب لا يهدد بتكرار الانتهاكات فحسب، بل يعرقل كذلك فرص بناء سلام مستدام قائم على سيادة القانون.
وتجدد منظمة سام مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المختطفين والمحتجزين تعسفًا، وفي مقدمتهم المحامي عبدالمجيد صبرة، والكشف عن مصير المخفيين قسرًا، وضمان تمكينهم من كامل حقوقهم القانونية. كما تدعو الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمبعوث الأممي إلى اليمن إلى مضاعفة الجهود الرامية إلى حماية الحق في الحرية والمحاكمة العادلة، ومراقبة أوضاع المحتجزين، ودعم مسارات المساءلة بما يعزز الثقة ويصون الكرامة الإنسانية.
إن المجتمع الذي يُعلَّق فيه القانون لصالح القوة يضع استقراره على المحك؛ فالعدالة ليست إجراءً لاحقًا للإفراج، بل هي الضمانة الأصلية التي تحول دون سلب الحرية ابتداءً، وأي سلام لا يستند إلى مساءلة حقيقية يظل هشًا، معرضًا للانكسار عند أول اختبار.