
جنيف – قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن اختطاف وتصفية وسام قايد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، بعد ساعات من اختطافه في عدن، يمثلان جريمة خطيرة تكشف عمق التدهور الأمني في المدينة، واتساع المخاطر التي تطال المدنيين والكفاءات الإدارية والتنموية والعاملين في المجال المدني، في ظل ضعف مؤسسات إنفاذ القانون، وتعدد مراكز القوة، واستمرار الإفلات من العقاب.
وأوضحت المنظمة أن المعلومات المتداولة تفيد بأن قايد، اليمني الأصل والحامل للجنسية البريطانية، اختُطف صباح الأحد 3 مايو/أيار 2026 من جوار منزله في مدينة إنماء، على يد مسلحين مجهولين كانوا يستقلون سيارة زرقاء من نوع “كيا برايد”، حيث أُجبر تحت تهديد السلاح على الصعود إلى مركبتهم، فيما قاد أحد المسلحين سيارة الضحية البيضاء من نوع “راف فور”، قبل أن يُعثر عليه مقتولًا داخلها في منطقة الحسوة، بحسب مصادر إعلامية محلية.
وبحسب ما أورده الصحفي فارس الحميري على حسابه في منصة “إكس”، نقلًا عن مصادر خاصة، فإن مسلحين اعترضوا وسام قايد، القائم بأعمال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية، قرب منزله في منطقة إنماء السكنية بعدن، وقاموا بتقييده ونقله على متن سيارة تابعة لهم، بينما تولى أحد المسلحين قيادة سيارته الخاصة إلى منطقة الحسوة. ووفقًا للمعلومات ذاتها، فقد تعرض قايد خلال فترة اختطاف قصيرة، قُدرت بنحو نصف ساعة، للضرب والإكراه على فتح هاتفه الشخصي وإجراء تحويلات مالية من حسابه البنكي، تجاوز بعضها مبلغ ستة آلاف دولار أمريكي إلى حساب في أحد البنوك باسم شخص في صنعاء. وأضاف الحميري أن الجناة، بعد وصولهم إلى منطقة الحسوة، أعادوا الضحية إلى سيارته وأجلسوه خلف مقودها، ثم أطلقوا عليه النار من مسافة قريبة، قبل أن يغادروا المكان تاركين جثمانه داخل السيارة.
وقالت سام إن الجريمة لا تمثل اعتداءً على حياة فرد مدني فحسب، بل تبعث برسالة خطيرة إلى العاملين في المؤسسات المدنية والتنموية بأن الفضاء المدني في اليمن بات مكشوفًا أمام العنف، وأن الكفاءات العامة التي تعمل خارج الاصطفافات المسلحة والسياسية لم تعد بمنأى عن الاستهداف أو التصفية أو الترهيب.
وأشارت المنظمة إلى أن الجريمة تأتي بعد نحو أسبوع من اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر، مدير مدارس النورس الأهلية، الذي قُتل صباح 25 أبريل/نيسان 2026 في مديرية المنصورة أثناء توجهه إلى مدرسته للمشاركة في فعالية تعليمية. ورأت أن التقارب الزمني بين الجريمتين، وطبيعة الضحايا المدنية والتعليمية والتنموية، يفرضان التعامل مع هذه الوقائع كمؤشر خطير على اتساع العنف ضد الشخصيات العامة والكفاءات المدنية في عدن.
وأكدت سام أن الاغتيالات والاختطافات في عدن ومناطق يمنية أخرى لم تعد حوادث معزولة يمكن التعامل معها بإعلانات أمنية عابرة، بل أصبحت نمطًا مقلقًا يكشف خللًا عميقًا في منظومة الأمن والعدالة. وذكّرت بأن اليمن شهد منذ عام 2015 سلسلة واسعة من جرائم الاغتيال والاختطاف والتصفية، طالت شخصيات دينية وتعليمية وأمنية وقضائية وإعلامية وقيادات محلية وعاملين في المجال المدني، دون أن تفضي معظم التحقيقات، إن وُجدت، إلى كشف الحقيقة أو محاسبة المسؤولين.
وأضافت المنظمة أن المؤشرات المتراكمة حول وجود شبكات منظمة، وربما عابرة للحدود، ضالعة في التخطيط أو التمويل أو التسهيل أو توفير الغطاء لهذه الجرائم، تستدعي تعاملًا وطنيًا ودوليًا جادًا مع ملف الاغتيالات في اليمن باعتباره ملفًا أمنيًا وحقوقيًا بالغ الخطورة، لا مجرد حوادث محلية متفرقة.
وشددت سام على أن اختطاف وسام قايد ثم قتله، وفق المعلومات المتاحة، يشكلان انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي، وأن واجب السلطات لا يقف عند الإدانة أو الإعلان عن فتح تحقيق، بل يقتضي تحقيقًا جنائيًا جادًا وشفافًا يكشف هوية المنفذين والمخططين والمحرضين وكل من قدم دعمًا أو تسهيلًا أو حماية للجناة، ويضمن إحالتهم إلى القضاء المختص.
وأكدت المنظمة أن التحقيق الفعال يجب أن يبدأ من مسرح الواقعة، وفحص كاميرات المراقبة، وتتبع المركبات المستخدمة، والاستماع إلى الشهود، وتحليل الاتصالات والتحركات السابقة واللاحقة للجريمة، ومراجعة أنماط الاغتيالات السابقة، مع حماية الشهود وأسر الضحايا وكل من يملك معلومات من أي ضغط أو تهديد أو انتقام.
ودعت سام السلطات المحلية والأمنية في عدن، والحكومة اليمنية، إلى فتح تحقيق عاجل وعلني في جريمة اختطاف وتصفية وسام قايد، وفي جريمة اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر، ونشر نتائجه للرأي العام، وعدم الاكتفاء ببيانات أولية أو وعود عامة، وضمان ألا تُقيد هذه الجرائم ضد مجهول.
كما دعت المنظمة إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة تضم جهات قضائية وأمنية وممثلين عن المؤسسات الحقوقية ذات الصلة، لمراجعة الجرائم الأخيرة في عدن، وتقييم أوجه القصور الأمني، وتحديد مسؤوليات الجهات المكلفة بالحماية، واقتراح تدابير عملية لمنع تكرار استهداف المدنيين والعاملين في المؤسسات المدنية والتنموية والتعليمية.
وطالبت سام بتكاتف الجهود الوطنية والدولية لدعم التحقيقات الجادة في جرائم الاغتيال والاختطاف في اليمن، ورفدها بالإمكانات الفنية والمادية واللوجستية اللازمة، والعمل على تجفيف منابع العنف والإرهاب والجريمة المنظمة، وملاحقة المتورطين والممولين والمحرضين، وإحالتهم إلى القضاء المختص وفق ضمانات المحاكمة العادلة.
وحثت المنظمة الأمم المتحدة، ومكتب المبعوث الأممي، والجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان في اليمن، على العمل بصورة منسقة للضغط من أجل إنهاء سياسة الإفلات من العقاب، ودعم مسار مساءلة يضمن حق الضحايا وذويهم في الحقيقة والعدالة والإنصاف.
وأكدت سام أن جريمة مقتل وسام قايد يجب أن تكون نقطة تحول في التعامل مع ملف الاغتيالات في عدن، لا رقمًا جديدًا في سجل الجرائم المنسية، مشددة على أن حماية المدنيين والعاملين في المجتمع المدني والمؤسسات التنموية والتعليمية أولوية عاجلة، لأن التساهل مع هذه الجرائم يضرب فكرة الدولة، ويقوض سيادة القانون، ويدفع اليمن نحو مزيد من الخوف والفوضى وانعدام الثقة.