
قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن ما جرى تداوله خلال الساعات الماضية بشأن مقطع فيديو صادم يزعم تعرض طفل في مدينة عدن لانتهاك جنسي، يثير قلقا بالغا، ويتطلب تحركا فوريا من السلطات الأمنية والقضائية لفتح تحقيق مستقل وشفاف، يضمن كشف الحقيقة، وحماية الطفل وأسرته، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تستره أو تدخله لتعطيل مسار العدالة.
وأكدت المنظمة أن القضية، التي تحولت إلى شأن عام عقب انتشار المقطع على منصات التواصل الاجتماعي، لا يجوز أن تترك للروايات المتضاربة أو حملات الاتهام المتبادلة، كما لا يجوز أن تواجه بالصمت الرسمي أو ببيانات عامة لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية. فطبيعة المزاعم، وكون الضحية المحتمل طفلا، وما رافق القضية من حديث عن ضغوط على الأسرة أو صلات محتملة لبعض الأسماء المتداولة بجهات أمنية أو نافذة، كلها عوامل تفرض تحقيقا مستقلا لا يكتفي بالإجراءات الداخلية أو التوضيحات غير الموثقة.
وتشير منظمة سام إلى أنها لم تتمكن بعد من التحقق المستقل من جميع الروايات المتداولة بشأن الواقعة أو هوية الأطراف المرتبطة بها، إلا أن خطورة المزاعم، وطبيعة الفيديو المتداول، واتساع القلق المجتمعي، تفرض على السلطات واجبا فوريا بفتح تحقيق مهني وشفاف، ونشر نتائجه بالقدر الذي لا يمس خصوصية الطفل أو سلامة الإجراءات أو قرينة البراءة.
وقالت سام إن تضارب الروايات بشأن تاريخ الواقعة، وحقيقة المقطع، وهوية الأشخاص الظاهرين فيه، وطبيعة صلتهم بأي مؤسسات رسمية أو غير رسمية، يجب أن يكون سببا لتفعيل المسار القضائي لا لتعطيله. فالتحقيق المستقل وحده هو القادر على تحديد ما إذا كان المقطع صحيحا، ومن هم الأشخاص المتورطون، وما إذا كانت هناك محاولات ضغط على أسرة الطفل للتنازل أو تسوية القضية خارج القانون، وما إذا كانت هناك ضحايا آخرون لم يتمكنوا من الإبلاغ بسبب الخوف من الوصمة أو الانتقام أو فقدان الثقة بمؤسسات إنفاذ القانون.
وشددت المنظمة على أن أي اعتداء جنسي بحق طفل، إن ثبت، لا يمثل مجرد جريمة جنائية فردية، بل انتهاكا خطيرا لحقوق الطفل وسلامته الجسدية والنفسية وكرامته الإنسانية. وتزداد خطورة الواقعة إذا ثبت وجود تستر أو ضغط أو تدخل من أشخاص نافذين أو منتسبين إلى جهات يفترض بها حماية المجتمع. وفي هذه الحالة، لا تقتصر المسؤولية على الجاني المباشر، بل تمتد إلى كل من تدخل أو تستر أو عرقل الإجراءات أو ساهم في إفلات المتورطين من المساءلة.
ودعت سام إدارة أمن عدن والنيابة العامة والسلطات القضائية إلى إصدار توضيح رسمي عاجل للرأي العام، يبين الإجراءات التي اتخذت في القضية، دون كشف هوية الطفل أو أسرته أو أي تفاصيل قد تؤدي إلى التعرف عليهما. وأكدت أن غياب المعلومة الرسمية في القضايا الحساسة يوسع دائرة الشائعات، ويعمق الخوف المجتمعي، ويقوض الثقة بمؤسسات العدالة، خصوصا في سياق أمني هش تتعدد فيه مراكز النفوذ وتتراجع فيه ضمانات المساءلة.
وطالبت المنظمة بتشكيل فريق تحقيق مستقل، يضم ممثلين عن النيابة العامة، وخبراء في حماية الطفل، وأطباء شرعيين، وأخصائيين نفسيين واجتماعيين، وخبراء في الجرائم الرقمية، على أن يتمتع بصلاحيات فعلية لفحص الفيديو فنيا، والوصول إلى الأدلة، وسماع أقوال الطفل وأسرته في بيئة آمنة، واستدعاء كل من وردت أسماؤهم في الروايات المتداولة، والتحقيق في أي مزاعم تتعلق بالضغط على الأسرة أو محاولة إسقاط القضية أو حماية المشتبه بهم.
وأكدت سام أن مبدأ قرينة البراءة يجب أن يظل محترما، وأن الاتهام العلني لا يغني عن التحقيق القضائي العادل. لكنها شددت في الوقت نفسه على أن احترام هذا المبدأ لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة للصمت أو التسويف أو حماية أصحاب النفوذ. فالسلطات ملزمة بالتحقيق السريع والفعال في المزاعم الخطيرة، وبمنع العبث بالأدلة أو تهديد الضحايا أو التأثير على الشهود.
وحذرت المنظمة من أن نشر أو إعادة تداول أي مقاطع أو صور أو أسماء أو تفاصيل تتعلق بضحايا محتملين، خصوصا إذا كانوا أطفالا، يشكل انتهاكا إضافيا لكرامتهم وخصوصيتهم، وقد يتسبب في أذى نفسي واجتماعي طويل الأمد. ودعت الصحفيين والناشطين ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى الامتناع عن تداول المواد المصورة أو أي معلومات كاشفة للهوية، والاكتفاء بالمطالبة بالتحقيق والمحاسبة دون تحويل معاناة الضحية إلى مادة للفضيحة أو الاستهلاك العام.
كما شددت المنظمة على ضرورة عدم تحميل الطفل أو أسرته أي مسؤولية اجتماعية أو أخلاقية عما جرى، ومنع أي خطاب يحاول وصم الضحية أو التشكيك بها أو الضغط عليها باسم السمعة أو العرف أو التسوية المجتمعية. وأكدت أن واجب السلطات لا يقتصر على التحقيق، بل يشمل توفير حماية عاجلة للطفل وأسرته، ودعم طبي ونفسي وقانوني مجاني، وضمان عدم تعرضهم للترهيب أو الانتقام أو الابتزاز.
وقالت سام إن تكرار الحديث عن قضايا مشابهة في عدن يفرض مراجعة جدية لآليات التعامل مع جرائم العنف الجنسي ضد الأطفال، بما في ذلك إنشاء مسارات آمنة للإبلاغ، وتدريب الشرطة والنيابة والقضاء على التعامل الحساس مع الأطفال، ومراجعة معايير الانتساب والرقابة والمساءلة داخل الأجهزة الأمنية، والتحقق من أي مزاعم بشأن استغلال الصفة الأمنية أو النفوذ لحماية مشتبه بهم أو تعطيل العدالة.
واختتمت منظمة سام بيانها بالتأكيد على أن العدالة في هذه القضية لا تعني معاقبة الجاني المباشر فقط، بل تعني كشف الحقيقة كاملة، وحماية الطفل من التشهير، ومحاسبة كل من تستر أو ضغط أو عرقل الإجراءات، وإصلاح الثغرات التي تسمح بتكرار الانتهاكات. وأضافت أن مزاعم اغتصاب طفل لا ينبغي أن تضيع بين الصمت الرسمي وتضارب الروايات، ولا أن تتحول إلى مادة للفضيحة؛ وحده التحقيق المستقل والشفاف كفيل بحماية الضحايا وترميم الثقة بالقانون.