استعادة الديمقراطية تبدأ بإعادة السلطة إلى المواطنين وإنهاء حكم السلاح
  • 15/09/2026
  •  https://samrl.org/l?a5799 
    منظمة سام |

    جنيف – قالت منظمة سام للحقوق والحريات، بمناسبة اليوم الدولي للديمقراطية، إن الأزمة التي يعيشها اليمن لا تقتصر على الحرب وانهيار مؤسسات الدولة، بل تمتد إلى أزمة أعمق تتعلق بمصدر السلطة والشرعية وحق المواطنين في اختيار من يحكمهم ومحاسبته وتغييره بالوسائل السلمية، مؤكدة أن استعادة هذا الحق تمثل جزءًا أساسيًا من أي مسار جاد لإنهاء النزاع وبناء سلام مستدام.

    وقالت المنظمة إن الديمقراطية لا ينبغي اختزالها في الانتخابات، بل يجب النظر إليها بوصفها منظومة تتيح إدارة الاختلاف والتنافس السياسي من خلال المؤسسات والقانون بدلًا من السلاح، وتقوم على المساواة في المواطنة وحرية التعبير والمشاركة والمساءلة واستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة. ففي النظام الديمقراطي لا تكون السلطة حقًا دائمًا لفرد أو جماعة، وإنما تفويضًا مؤقتًا يستمد شرعيته من إرادة المواطنين.

    وأشارت سام إلى أن هذه القضية تكتسب أهمية خاصة في المنطقة العربية، حيث لا تزال أزمة السلطة في صميم العديد من النزاعات والأزمات السياسية. ففي عدد من دول المنطقة، ظل تغيير الحاكم أو انتقال السلطة حدثًا استثنائيًا يرتبط بالثورات أو الانقلابات أو الصراعات المسلحة، بدلًا من أن يكون عملية سياسية طبيعية تنظمها الدساتير والمؤسسات وإرادة الناخبين.

    وأضافت أن تعثر التجارب الديمقراطية العربية لا يمكن تفسيره بعامل واحد، وإنما يرتبط بإرث طويل من مركزية السلطة وضعف المؤسسات وهيمنة الأجهزة الأمنية وهشاشة استقلال القضاء وتقييد الأحزاب والصحافة والمجتمع المدني وضعف المساءلة والتداول السلمي للسلطة، إلى جانب تأثير الحروب والتدخلات الخارجية والانقسامات الاجتماعية والطائفية. كما تتحمل النخب السياسية جزءًا من المسؤولية حين تعجز عن الانتقال من معارضة السلطة إلى بناء المؤسسات والتوافقات القادرة على إدارة الاختلاف.

    وشددت سام على أنه لا توجد صيغة سياسية واحدة يمكن فرضها على جميع المجتمعات، وأن لكل دولة تاريخها وتركيبتها وتجربتها الخاصة، غير أن «الخصوصية» لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتبرير الاستبداد أو حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية. ويمكن أن تختلف أشكال أنظمة الحكم، لكن لا يمكن التخلي عن المبادئ الجوهرية المتمثلة في المواطنة المتساوية، والمشاركة السياسية، وحرية التعبير والتنظيم، والمساءلة، واستقلال القضاء، وحق المواطنين في اختيار حكامهم وتغييرهم سلميًا.

    اليمن: تجربة سياسية قطعتها الحرب والسلاح

    وقالت المنظمة إن اليمن، رغم الاختلالات العميقة التي رافقت تجربته السياسية، عرف منذ تحقيق الوحدة عام 1990 أشكالًا من التعددية الحزبية والانتخابات والصحافة والعمل المعارض والمدني، قبل أن تفتح احتجاجات عام 2011 مساحة أوسع أمام قوى وفئات اجتماعية لم تكن ممثلة بالقدر الكافي في المجال السياسي التقليدي.

    وبرز خلال تلك المرحلة حضور الشباب باعتبارهم فاعلين سياسيين واجتماعيين يطالبون بدولة أكثر عدلًا ومشاركة، كما توسعت مشاركة النساء والمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والمبادرات الشبابية ووسائل الإعلام المستقلة، بما أسهم في توسيع النقاش العام حول شكل الدولة ومستقبلها.

    وفي مؤتمر الحوار الوطني، شارك الشباب والنساء وممثلو المجتمع المدني في نقاشات واسعة تناولت قضايا الدولة والدستور والمواطنة والحكم المحلي والحقوق والحريات والعدالة الانتقالية. ورغم أوجه القصور التي رافقت تلك التجربة، فإنها مثّلت محاولة مهمة لتوسيع دائرة المشاركة السياسية ونقل النقاش حول مستقبل البلاد من احتكار النخب التقليدية إلى فضاء اجتماعي وسياسي أوسع.

    وأكدت سام أن الديمقراطية لا تبدأ وتنتهي عند صندوق الاقتراع، وإنما تبدأ عندما يشعر الشباب بأن أصواتهم مؤثرة، وتتمكن النساء من المشاركة الفعلية في صناعة القرار، ويستطيع الصحفيون والنشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان العمل دون خوف، ويتمكن المجتمع المدني من أداء دوره بصورة مستقلة بعيدًا عن سيطرة السلطات والجماعات المسلحة.

    سيطرة الحوثيين وتراجع المجال العام

    وقالت المنظمة إن المسار السياسي الناشئ لم يحصل على الوقت والظروف اللازمة لتطوير مؤسساته، إذ أدت سيطرة جماعة الحوثي المسلحة على صنعاء ومؤسسات الدولة إلى إجهاض العملية الانتقالية وإعادة السلاح إلى صدارة الصراع على السلطة، وتحويل السؤال من كيفية بناء دولة أكثر تمثيلًا ومساءلة إلى سؤال جوهري حول من يملك الحق في الحكم ومن أين تستمد السلطة شرعيتها.

    وأضافت أن السنوات اللاحقة شهدت انكماشًا حادًا في المجال العام في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وتقييدًا لحرية التعبير والتنظيم والعمل المدني والسياسي، إلى جانب تعرض صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان للاعتقال والملاحقة وغيرها من الانتهاكات.

    وأعربت سام عن قلقها بصورة خاصة من الخطاب والممارسات التي تعيد إنتاج تصورات سياسية قائمة على الامتياز الديني أو السلالي، مؤكدة أن أي تصور يمنح جماعة أو فئة حقًا سياسيًا متقدمًا على بقية المجتمع يتعارض بصورة جوهرية مع مبدأ المواطنة المتساوية ومع حق جميع اليمنيين في المشاركة في إدارة الشأن العام على قدم المساواة.

    وقال توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات: «إن الخسارة التي تعرض لها اليمن خلال سنوات الحرب لا تقتصر على انهيار المؤسسات وتعطل العملية السياسية، بل تشمل تراجع فكرة المواطن بوصفه مصدرًا للشرعية وصاحب الحق في اختيار السلطة ومحاسبتها، ولا يمكن بناء دولة مستقرة إذا اعتقد أي طرف أن السلاح أو السلالة أو القوة تمنحه حقًا في الحكم يتقدم على إرادة اليمنيين».

    وأضاف الحميدي: «الديمقراطية ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، لأنها جزء من معالجة الأسباب التي تسمح للحروب بالعودة، وعندما تغيب الطرق السلمية للوصول إلى السلطة وتغييرها، يصبح السلاح بالنسبة إلى بعض القوى أقصر طريق إليها، لافتًا إلى أن السلام المستدام يتطلب إعادة السياسة إلى المؤسسات وإعادة القرار إلى المواطنين».

    الديمقراطية جزء من طريق السلام

    وأكدت سام أن إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة يجب ألا يعني العودة إلى أنماط الحكم التي سبقت النزاع، وإنما ينبغي أن يشكلا مدخلًا لبناء نظام سياسي أكثر مشاركة ومساءلة واحترامًا للحقوق والحريات، يضمن لجميع اليمنيين، دون تمييز، الحق في المساهمة في تحديد مستقبل بلادهم.

    وشددت المنظمة على أنه لا يمكن إجراء مشاركة سياسية حرة في ظل الخوف والإكراه، ولا يمكن للانتخابات أن تؤدي وظيفتها الديمقراطية إذا احتفظ أي طرف مسلح بالقدرة على إلغاء نتائج العملية السياسية بالقوة، ولذلك فإن أي تسوية سياسية مستدامة ينبغي أن تتضمن ضمانات حقيقية للمواطنة المتساوية والحريات العامة والمشاركة السياسية واستقلال المجتمع المدني وحرية الصحافة وحقوق النساء والشباب.

    ودعت سام الأطراف اليمنية والمجتمع الدولي إلى وضع حقوق المواطنين السياسية والمدنية في صميم أي عملية سلام مقبلة، وضمان ألا تتحول التسويات السياسية إلى مجرد تقاسم للسلطة بين القوى المسلحة على حساب المجتمع، مؤكدة ضرورة توسيع مشاركة النساء والشباب والمجتمع المدني والضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان في رسم مستقبل البلاد.

    واختتمت المنظمة بالتأكيد على أن الانتصار الذي يحتاجه اليمن ليس انتصار جماعة على أخرى، وإنما انتصار الدولة على منطق المليشيا، والمواطنة على الامتياز السلالي، والسياسة على السلاح، والحرية على الإكراه.، وبعد سنوات طويلة قررت فيها القوة المسلحة مصير اليمنيين، يجب أن يعود إليهم حق اختيار من يحكمهم ومحاسبته وتغييره سلميًا.

     

  •  
    جميع الحقوق محفوظة لمنظمة سام © 2023، تصميم وتطوير