
الاسم: سامي نعمان
جهة الاعتقال: جماعة الحوثي
تاريخ الاعتقال: 21 يونيو 2018
يتذكر الصحفي سامي نعمان، يوم محاصرة منزل الأسرة في القرية بمديرية ماوية تعز، من قبل عدد من مسلحي جماعة الحوثي، يسرد واقعة اعتقاله: «كان عشرة مسلحين يستقلون طقما حوثيا يقوده العقيد علي علوان الملقب بالقذافي، يحاصرون منزلنا في قرية المصاعد بمديرية ماوية. وطقم آخر - كما أخبرني أصدقاء - كان يتمركز بعيداً خارج القرية لمهمة الإسناد والتعزيز إذا حصل أي طارئ عند مهاجمة صحفي لا يملك في منزله أكثر من سكين لتقطيع الخضار.
جاءني ابني معتز «9 أعوام» ليوقظني. كنت للتو حظيت بفرصة للنوم، بعد طول إجهاد وسهر وصيام. أخبرني أن طقماً حوثياً يسأل عني وأنهم انتشروا حول المنزل في وضع الاستعداد لإطلاق النار، وزاد:
ـ «لما نزلوا من فوق الطقم فتحوا أمانات الأسلحة بسرعة».
هذا هو سلوك الجماعة الإرهابية الجبانة: الاستعراض على المدنيين لترهيبهم؛ استعراض سخيف وجبان إذ يأتون بهذا العدد لمواجهة صحفي كان سيأتي إليهم باتصال لأنه ليس لديه ما يخاف منه ببساطة.
وصل المسلحون على ترتيبات زفاف بسيط لإسماعيل جارنا، وربما ذلك ما زاد من استنفار الأشاوس. كانت أمي - حفظها الله - قد نزلت لتسألهم ماذا يريدون وأخبرتهم أني غير موجود لأنها لم تكن تعلم بوجودي أساسا فتبادلوا إشارات التحفز ظنا منهم أنها محاولة لتضليلهم بهدف الفرار. ردوا عليها: «ما نريد شيئا يا حجة لماذا خائفة على ابنك أيش عليه؟».
جاءت أمي وقالت لي قلنا لهم غير موجود لا تخرج. ضحكت لها في محاولة لطمأنتها وأخبرتها أنه ما عندي لهم شيء، وأنا لست مجرما، فلماذا أخاف؟
هزت رأسها وقالت: «سوا» يعني تمام.
خرجت إليهم دون تردد، وأنا ألف المعوز "الإزار" حول نصفي الأسفل ولبست القميص دون أزرار. كان القذافي قد وضع البندقية على وضعية تمترس فوق مقدمة الطقم، ولما رأوني أخرج هكذا وأتوجه إليه ربما شعروا لوهلة بالخجل من هذه الزحمة والاستعراض الفارغ وخفضوا أسلحتهم وعادوا جوار الطقم.
سألت القذافي: «خير؟»
قال: «هذا أبو ماهر ـ المشرف الأمني لتعزـ قال تأتي ضيفا لمدة ساعتين فقط لا يوجد أي شيء».
قلت له: «طيب تفضلوا شوية نفطر ونتعشى ونذهب»
فقال: «نحن مستعجلون». ولو صدق لقال أيضا خائفون.
قلت لهم: «بسم الله نتوكل نشوف ما معه!».
حاولت الركوب في صندوق الطقم، فرفضوا وأصروا على الركوب إلى جوار السائق وبجواري يافع مسلح دون 18 عاما وسيم ووديع. لم أحاول العودة لأخذ مصاريف، حتى لا أثير الريبة، وحتى لا يطلبوا إحضار هاتفي، الذي كان فيه من المحتوى العادي ما قد تجد فيه الميليشيات العنصرية استدلالات كافية للإخفاء لسنوات، ثم الإعدام.
أفطرت في الطريق وتعشينا في السويداء أنا والأفراد، كان معي 3 ألف ريال حاولت دفعها للمطعم وقلت لهم: «لا يوجد معي غيرها أوفوا الحساب أنتم» لكن القذافي قال: «انت ضيفنا» ودفع المبلغ.
وصلت مدينة الصالح حوالي الثامنة مساء، وسجلوا بياناتي وأدخلوني الزنزانة (الشقة) 33 في عمارة يشرف عليها المدعو «أبو يحيى»، بينما المسؤول عنها هو المشرف الثقافي الحوثي لتعز "أبو مصطفى".
اليافع الذي كان بجواري واستمع لحديثنا طوال الطريق، نادى علي وأنا أصعد درج العمارة: «يا استاذ معك قات أو لا؟»، فقلت له: «والله لا يوجد» فأعطاني بعض ما تبقى بكيسه المعلّق على جنبيته بإصرار.
دخلت الزنزانة 33 في الدور الثاني أو الثالث، وكانت مظلمة إلا من إضاءة خافتة لا تكفي لتبين ملامح من بجوارك أو أمامك، ومغلقة النوافذ بالأحجار ولم يتبقَ من كل نافذة إلا فتحة أو اثنتين بحجم كف اليد، وهذه هي الزنازين التي يطلقون عليها "الضغاطة".
أول ما دخلت دعاني محام لقبه الجلال أن آخذ حذائي داخل كيس "لأني سأحتاجه مخدة"، وهذا المحامي معتقل لأنه كان لديه تطبيق ينشر موادا قانونية تلقائيا في صفحته على الفيسبوك. وأغلب المعتقلين على تهم سخيفة تعرف بـ "الواتس أب"، ورغم مضي أكثر من شهرين على سجنه، إلا أنهم لم يحققوا معه بعد.
كان هناك نحو 43 شخصا منهم 8 مجانين ومختلين والبقية والأغلبية لا يعرفون تُهمهم مثل المحامي. هناك نحو 10 عسكريين قدامى أغلبهم دون 45 عاماً، أغلبهم من محافظة حجة واعتقلوا بتهمة محاولة الالتحاق بقوات طارق صالح.
وفي الزنزانة المقابلة أظنها 35 أبلغني السجناء أنه قبل أيام توفي فيها شخص لقبه القباطي بعد إضراب عن الطعام وتعرض لمعاملة قاسية بعدها، فأخرجوه منها فاقداً للوعي وكان يغرزون الإبرة بقوة في أماكن متفرقة في جسده ظنا منهم أنه يُمثّل لكنه لم يفق وأخذوه سحبا في الدرج دون أن يعود لأنه قد مات بسبب تأخر العلاج ودخوله بمضاعفات الجفاف.
وأخبروني أنه بسبب موته تحسنت نسبيا ظروف السجن من حيث التغذية وتزويد المياه ولمبة إضاءة لا تكاد ترى معها من بجوارك.
بمجرد أن تدخل الزنزانة يلتم السجناء حولك ليعرفوا كل شيء، وكانوا ينتظرون كل جديد يدخل إليهم ليغير القديم المستهلك القائم ولا جديد هنا سوى مختطف جديد يسمعهم قصته، وهي فرصتهم السانحة أساساً للمعرفة، فبعد يومين سيحجم المختطف الجديد عن الحديث لأنه سيبدأ الشك بمن حوله. هم ذاتهم ينصحونه بذلك.
لم يخفِ كثير منهم ظرافتهم المألوفة مع كل معتقل جديد. يسالونك بكم كأس الشاي في الخارج؟ هل هناك أناس وأسواق؟ والطريق الإسفلتي موجود أو قد أخذه كتائب "حمّل"؟ كيف أتوا بك إلى هنا بحمار؟.. هذه هي طريقتهم للسخرية من الواقع ليخبروك أنهم مضى عليهم عمر كأصحاب الكهف.
في تلك الغرف تفترش البلاط وإن كنت محظوظا فقطع "شوالات" التي يجلبون بها الكدم، لأن البطانيات والفرش مع غياب التهوية تكون ممتلئة بالكتن والقمل، وهي غير متوفرة أساسا إلا مع بضعة أشخاص جلبها لهم أقاربهم.
أمضيت معهم بعض الوقت وكل مرة يأتي أحدهم من غرفة مجاورة ليكرر ذات السؤال فأكرر ذات الاجابة والبقية يستمتعون بتكرارها.
بعد نحو ساعة ونصف إلى ساعتين قبل العاشرة والنصف كانوا ينادون عليّ للتحقيق وسط استغراب أغلبية البقية الذين مضى على بعضهم أسابيع وأشهر دون تحقيق. فإذا بعاقل الزنزانة وهو شاب من حجة وعسكري محترم ونبيل يمسكني على كتفي وقال:
ـ «أخي كن واثقا من نفسك، ولا تقلق، وأهم شيء الهدوء وإذا سألوك تبع أي حزب انتبه وخصوصا الإصلاح».
قلت له ممازحاً: «سأقول إني اشتراكي».
صاح بي: «ولا جني ولا جدتك، ولا لك علاقة بأيّ حزب، وبقية الأسئلة عليك».
طلب مني المراسل الذي يوصل المعتقلين للمحقق أن آخذ "الصماطة" فأخبرته أنه ليس لدي، فنادى أن يعطوني ليربط عيني عند منتصف الدرج قبل الدور الرابع حيث المحقق.
أخذوني لخمس ساعات تحقيق، ربما لا أتذكر بالضبط كم استغرق الوقت. المهم أني عدت للزنزانة وبعد دقائق كان الأذان الأول للفجر.
عدت حينها للزنزانة لأشرح مجددا عما دار مع المحقق وبعضهم يغمز لي "احترس من الحديث لأن بعض ضعفاء السجناء يجبرونهم على التجسس ويغرونهم بأنهم سيفرجون عنهم، فكنت أرد عليهم دائما أن كلامي عند المحقق هو ذاته بينهم لأنه لا يوجد لدي ما أخفيه.
صبيحة ذلك اليوم وكان يوم جمعة نادوا على عشرات المعتقلين من جميع الزنازين والعمارات وطلبوا منهم الخروج للانتقال إلى وجهة غير محددة. كان بعضهم يتفاءل بالإفراج وآخر يقول إلى السجن الحربي وثالث يتوقع أنهم سيؤخذون قسرا إلى جبهات الحديدة. علمت لاحقا أنهم نقلوا بشاحنات إلى معتقل كلية المجتمع في ذمار ليضموهم إلى قائمة الأشخاص المطلوبين لمبادلة الأسرى الذين تم تجميعهم من النقاط والشوارع واللوكندات، ليتيحوا لهم التواصل مع معارفهم ومن يريد الحرية عليه أن يبحث عن مبادلة بأسير حوثي أسر في الجبهة.
في اليوم التالي نقلت إلى الزنزانة المقابلة أو الضغاطة 44، فهمت حينها أنهم يريدون فصل من تم التحقيق عنهم إلى شقة، والذين لم يتم التحقيق معهم في شقة أخرى أو هكذا أخبروني، مع أني وجدت في الشقة الأخرى أشخاصاً لم يحققوا معهم أيضاً.
*كتب الصحفي سامي نعمان موضوع اعتقاله، في يونيو 2019، ويعيش حالياً في مدينة تعز