
نفذت منظمة سام للحقوق والحريات ورابطة أمهات المختطفين ومعهد دي تي ندوة متخصصة بعنوان: "من النزاع إلى تعافي العدالة التصالحية وبناء السلام في اليمن"، ضمن مشروع سبارك المدعوم من معهد دي تي، حيث استضاف منتدى سفراء العدالة الانتقالية هذه الفعالية لاستعراض تجربة منطقة "الصراري" في محافظة تعز كنموذج رائد لفض النزاعات المحلية.
وأبرزت الندوة ورقة سياسات حملت عنوان "من الصراع الهجين إلى نموذج التعافي في قرية الصراري: نحو خارطة طريق للعدالة التصالحية وبناء السلام بقيادة مجتمعية"، بمشاركة نخبة من المتحدثين، وهم الدكتور عبد الباقي شمسان، أستاذ علم الاجتماع السياسي، والأستاذ عبد الله جسار، رئيس لجنة التوافق والمصالحة بتعز، والأستاذ عصام الصبري، مدير مشروع "سبارك"، فيما قدمت الأستاذة نجلاء فاضل عرضاً لورقة السياسات نيابة عن الباحث عبد الغني الهياجم.
سياق النزاع في قرية الصراري ورمزية المنطقة
لفتت الندوة في مستهل نقاشاتها إلى أن موضوع قرية الصراري بمديرية صبر الموادم يتسم بتعقيد بالغ، حيث تم تناوله بحذر شديد كمحاولة جادة لا تهدف لإنكار الحقائق أو إسقاط حقوق الضحايا، بل لفهم جذور الصراع وتفكيكه. ونوهت الميسرة إلى أن الصراري تمثل نموذجاً مصغراً للصراع المتداخل الذي يمزق النسيج الاجتماعي اليمني، إذ اكتسبت المنطقة أهمية عسكرية استراتيجية لوقوعها في محيط مدينة تعز المحاصرة، فضلاً عن هويتها الديموغرافية ذات الطابع الزيدي التي جعلت منها بؤرة لما وصف بـ "الصراع الهجين"، وأكدت الندوة أن هذا الصراع المركب تداخلت فيه الانقسامات المذهبية الأفقية مع الانقسامات السياسية والعسكرية الرأسية، مروراً بمراحل الاستقطاب الأيديولوجي بين عامي 2011 و2014، وصولاً إلى العسكرة الشاملة والمواجهة العسكرية في أغسطس 2016.
فشل المشروع الوطني وصعود الهويات الفرعية
من جانبه، أشار الدكتور عبد الباقي شمسان إلى أن مفهوم التصالح متجذر في المجتمعات القديمة واليمنية عبر التدخلات المجتمعية والقبلية، لكنه شدد على ضرورة ضبط هذا التدخل ليكون رديفاً للعدالة الانتقالية والقضائية. وأوضح شمسان أن السبب الجوهري لتفجر الصراعات المحلية هو "فشل المشروع الوطني اليمني"، الأمر الذي أدى إلى صعود الجماعات بهوياتها الفرعية (المنطقة، القبيلة، الطائفة) كبديل للدولة لتوفير الحماية للأفراد. ولفت إلى أن غياب التنمية المتوازنة وفشل الدولة في صهر الهويات في هوية جامعة، أدى إلى شعور جماعات عديدة بالإقصاء، مما جعلها تبحث عن التعبير عن ذاتها عبر النزاع عند ضعف السلطة المركزية.
الاستثمار السياسي في الصراعات التاريخية
وأضاف الدكتور شمسان أن القوى السياسية، وبالأخص جماعة الحوثي وعلي عبد الله صالح، استثمرت بذكاء في الصراعات المحلية لبناء التحالفات وإضعاف الخصوم. وضرب مثالاً بصراع وقع في عام 2010 يعود في جذوره إلى 136 عاماً، مبيناً كيف تم استحضار مظالم تاريخية تعود لعصر الإمام يحيى لتوظيفها في نزاعات معاصرة حول الأرض والنفوذ. ونوه إلى أن جماعة الحوثي دخلت من زاوية "مظلمة بكيل" التاريخية لاستثمارها ضد حاشد، وهو ما تكرر في الصراري عبر استغلال شعور الجماعة بالتميز أو المظلومية وتحويل الخلافات المناطقية حول المياه والأرض إلى صراع ذي بُعد مذهبي.
خارطة الصراعات والحاجة للعدالة الانتقالية
وشدد شمسان على حاجة اليمن الملحة لما أسماه "خارطة الصراعات"، وهي دراسة تحليلية للجغرافيا اليمنية تحدد أين يحل الثأر بالتحكيم وأين يصعب ذلك، وكشف عن دراسة سابقة أظهرت أن تعز كانت تصنف "منطقة صفرية" في النزاعات، لكن غياب سيادة القانون كشف عن "ألغام" وصراعات خفية انفجرت فجأة، وأكد أن اليمن مثقلة بالثأرات الوطنية والشخصية والصراعات المذهبية، مما يتطلب عدالة انتقالية تشترط موافقة السلطة والجماعات لتنقية الذاكرة الجمعية، وحذر من خطورة تحول الحلول التصالحية في ظل الفساد إلى وسيلة لاستثمار شخصيات معينة في الصلح لتحقيق مكاسب، أو تغييب خصوصية الفرد داخل الحل القبلي الجبري.
تجربة لجنة التوافق والمصالحة في تعز
وفي سياق المبادرات العملية، أبرز الأستاذ عبد الله جسار تجربة لجنة الوفاق والمصالحة المجتمعية في تعز، مشيراً إلى أن تفكك النسيج الاجتماعي وارتفاع معدلات العنف أوجد حاجة ماسة لجهات تعالج القضايا الجنائية وقضايا المياه، وأكد جسار أن اللجنة ليست بديلاً عن مؤسسات الدولة الضعيفة، بل هي مساند لها، حيث نجحت في حل قضايا كانت عالقة لسنوات في مديرية الشمايتين ومديريات أخرى عبر إشراك مدراء المديريات وإدارات الأمن، ولفت إلى تجربة ناجحة تماماً في منطقة "مشرعة وحدنان" مع "بيت الرميمة"، حيث تم الجلوس مع الأطراف والتعايش بشكل كامل، وهو ما تسعى اللجنة لتكراره في الصراري.
العدالة التصالحية كخيار مرحلي
وأوضح جسار أن العدالة التصالحية هي الخيار "الأسهل" حالياً نظراً لصعوبة تنفيذ العدالة الانتقالية أو الجنائية في ظل الظروف الراهنة وانفلات المطلوبين أمنياً، ونوه إلى أن المجتمع يميل لهذا النوع من العدالة لأنها تشرك الضحايا والمشايخ والأعيان وتؤدي لنتائج سريعة يلمسها الناس، ومع ذلك، أشار إلى تحديات جسيمة تواجه هذا العمل، أبرزها تحول المجتمع إلى "مجتمع مسلح"، والحاجة الماسة للدعم النفسي للموتورين، فضلاً عن التحريض السياسي والمذهبي الذي زرعه الحوثيون في مناطق النزاع.
مبادرة "سبارك" في الصراري: المنهجية والأثر
من جهته، استعرض الأستاذ عصام الصبري تفاصيل مبادرة العدالة التصالحية في الصراري التي نُفذت بين سبتمبر وديسمبر 2025، موضحاً أنها اعتمدت منهجية تشاركية جمعت بين الحوار والدعم النفسي، وأشار الصبري إلى تنفيذ جلسات بؤرية لـ 18 فرداً من الضحايا والنازحين، وجلسات حوارية لـ 14 من الوجهاء والمعلمين، بالإضافة إلى جلسة دعم نفسي لـ 20 امرأة من كلا الطرفين، وأكد أن المبادرة نجحت في خفض حدة التوتر، وكسر الصورة النمطية السلبية، وخلق رغبة قوية لدى المشاركين في تجاوز الماضي وتوفير إطار مستدام للصلح.
ميثاق الشرف المجتمعي وعقبات التوقيع
ونوه الصبري إلى أن المبادرة صاغت مسودة "ميثاق شرف مجتمعي" يركز على وحدة النسيج الاجتماعي والالتزام بحل الخلافات سلمياً، إلا أن التوقيع الرسمي عليه "تعثر" نتيجة حساسية السياق السياسي والأمني، وأوضح أن قيام بعض الشخصيات المرتبطة بأجندات خارجية بحملات تضليل حول طبيعة الميثاق أدى لسوء فهم حال دون إتمامه، لكنه شدد على أن المبادرة تركت أثراً عميقاً في تقريب وجهات النظر وجلوس الخصوم على طاولة واحدة. وأضاف أن تجربة الصراري قابلة للتكرار في مناطق أخرى تعاني من نزاعات مشابهة إذا توفر التفضيل المجتمعي للمصالحة ودعم السلطة المحلية.
ورقة السياسات: المثلث القاتل وفاتورة النزاع
وقدمت رابطة أمهات المختطفين ملخصاً لورقة السياسات التي شخصت "المثلث القاتل" في الصراري، والمتمثل في انهيار الدولة، والتدهور الاقتصادي، والاستقطاب المذهبي. وأبرزت الورقة أن النزاع أدى لتهجير قسري لأكثر من 150 أسرة، وتدمير 7 مدارس ووحدة صحية، ونهب ممنهج للمنازل، مما دفع الطلاب للانخراط في جبهات القتال نتيجة غياب فرص التعليم والعمل، ولفتت إلى أن الصراع في الصراري تم تسييسه وعسكرته بفعل "حروب الوكالة"، حيث حولت جماعة الحوثي القرية إلى قاعدة عسكرية مستغلة موقعها الاستراتيجي، فيما اصطف أهالي القرى المجاورة ضد هذا التوجه.
خارطة طريق للتعافي والمسارات الثلاثة
وأشارت الرابطة إلى أن ورقة السياسات وضعت "نظرية تغيير" تقوم على تمكين الفاعلين المحليين ودمج العدالة بالتنمية، مقترحة ثلاث مسارات:
رؤية نقدية لاستدامة السلام المحلي
وفي مداخلات ختامية، أشار الدكتور عبد الباقي شمسان إلى أنه لا يمكن تطبيق العدالة التصالحية مع جماعة لديها مشروع "استعادة سلطة" أو مشروع مذهبي سياسي قائم، لأن المواجهة هنا تعبر عن صراع حول السلطة يتجاوز المظالم المحلية حول المياه والأرض، ولفت الأستاذ عبد الله جسار إلى تخوفه من بناء "سلام هش" يزول بزوال التمويل الخارجي، مؤكداً أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بوجود مؤسسة دولة قوية وجيش وأمن وقضاء عادل يثق به الضحايا.
مداخلة أبناء المنطقة
وختمت الندوة بمداخلة للدكتورة تهاني الجنيد، أحد أبناء الصراري، التي أكدت أن المبادرة لم تفشل رغم عدم توقيع ميثاق الشرف، وأوضحت أن مجرد جلوس الأطراف المتنازعة على طاولة واحدة كان يعتبر "شبه مستحيل"، معتبرة ذلك نجاحاً كبيراً، وأضافت أن الهدف الأساسي هو مساعدة الأسر الموجودة حالياً في القرية على الاستمرار في الحياة عبر توفير التعليم والصحة ومصدر دخل ثابت، بعيداً عن تجاذبات أطراف الصراع، ونوهت الميسرة في الختام إلى أن هذه النقاشات تفتح آفاقاً لاختبار المفاهيم النظرية في إطار عملي لبناء سلام مستدام في اليمن.