
جنيف - قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن اليوم الدولي للتضامن مع الموظفين المحتجزين والمفقودين يحلّ في ظل تصاعد خطير لانتهاكات استهدفت العاملين في المجالين الإنساني والأممي في اليمن، بما يقوّض الحماية المفترضة لهم بموجب القانون الدولي الإنساني ويهدد استمرارية العمل الإغاثي المنقذ للحياة.
وأوردت المنظمة في استعراضها للوقائع، أن هذا الاستهداف جاء ضمن سياق أوسع من التضييق بدأ منذ عام 2024، ثم بدأ التصعيد بموجة اعتقالات تعسفية حادة خلال الفترة من 23 إلى 25 يناير 2025، طالت ما لا يقل عن 8 من موظفي الأمم المتحدة، وهو ما أكدته تقارير دولية متقاطعة. وأشارت "سام" إلى القرار الاضطراري الذي اتخذته الأمم المتحدة في 24 يناير 2025 بوقف جميع تحركات موظفيها في مناطق سيطرة الحوثيين، بعد أن وصل إجمالي المحتجزين في تلك الآونة إلى 23 موظفاً أممياً.
وذكرت المنظمة بواقعة صادمة حدثت في فبراير 2025، حين توفي أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي رهن الاحتجاز التعسفي بعد ثلاثة أسابيع فقط من اعتقاله، وهي الفاجعة التي أدت إلى تعليق العمليات الإنسانية بالكامل في محافظة صعدة لأسباب تتعلق بسلامة الأفراد، مبينةً أن هذه الوفاة كشفت عن غياب أدنى معايير السلامة والضمانات القانونية للمحتجزين لدى سلطات الأمر الواقع في صنعاء، ومثلت تصعيداً خطيراً أثار أزمة ثقة حادة بين المنظمات الدولية وسلطات الأمر الواقع.
واعتبرت "سام" أن المداهمات التي وقعت في 31 أغسطس 2025 شكلت تحولاً خطيراً، إذ اقتحمت قوات مسلحة مقر برنامج الأغذية العالمي وصادرت ممتلكات أممية واحتجزت 11 موظفاً. وأوضحت أن رقعة الانتهاكات اتسعت بحلول سبتمبر 2025، حيث وثقت التقارير احتجاز 44 من الموظفين الوطنيين، من بينهم نائبة الممثل المقيم لليونيسف، مما عكس سياسة ممنهجة للضغط على المنظومة الدولية. ولفتت المنظمة إلى أن وتيرة القمع بلغت ذروتها في أكتوبر 2025، حين ارتفع عدد المحتجزين إلى 53 موظفاً، وتخلل ذلك اقتحام منشأة أممية في حي "حدة" بصنعاء واحتجاز نحو 20 موظفاً (15 دولياً و5 محليين) ومصادرة معدات اتصالات حساسة، في انتهاك صارخ للحصانات والامتيازات الدبلوماسية.
وأكدت "سام" أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً جسيماً للمادة 71 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي توجب حماية موظفي الإغاثة. إن تحويل العاملين الإنسانيين إلى أهداف سياسية يعد جريمة وفقاً لنظام روما الأساسي، الذي يجرّم تعمد توجيه هجمات ضد الموظفين المشاركين في مهام المساعدة الإنسانية، لافتةً إلى المعاناة الإنسانية الصامتة التي تعيشها أسر المحتجزين؛ حيث يعيش مئات الأطفال والنساء في حالة من القلق الدائم، في ظل غياب قنوات تواصل مع ذويهم.
واعتبرت المنظمة أن نقل مكتب المنسق المقيم للأمم المتحدة إلى عدن بعد احتجاز عدد من موظفيه في صنعاء يؤكد حجم المخاطر الأمنية غير المسبوقة، ويهدد فعلياً وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين، مضيفةً أن استهداف موظفي برنامج الأغذية العالمي واليونيسف يضرب في الصميم الأمن الغذائي والصحي للمدنيين، ويحوّل المساعدات من "حق مكفول" إلى "أداة للابتزاز"، مما ينذر بكارثة تتجاوز قدرة المجتمع الدولي على احتوائها.
ودعت المنظمة إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين والمختطفين، والكشف عن مصير المفقودين، وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية، كما طالبت بفتح تحقيقات دولية مستقلة في حالات الاحتجاز والوفاة ومحاسبة المسؤولين عنها، ودعت المجتمع الدولي لممارسة ضغوط حقيقية تتجاوز بيانات التنديد، محملة سلطات صنعاء المسؤولية القانونية الكاملة عن حياة المحتجزين.
وشددت منظمة سام على أن حماية الموظفين الإنسانيين شرط أساسي لاستمرار الاستجابة الإنسانية، محذّرةً من أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار هذه الانتهاكات، ويهدد بانهيار شامل لما تبقى من شريان حياة لملايين اليمنيين، كما أكدت على أن التضامن الدولي الحقيقي يقتضي تحركاً عاجلاً وفعّالاً لضمان إطلاق سراح المحتجزين والكشف عن مصير المفقودين، وصون حياد واستقلال العمل الإنساني في اليمن.