
جنيف – قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف ال 3 من مايو من كل عام، يحلّ هذا العام بينما تعيش الصحافة في اليمن واحدة من أكثر مراحلها قسوة وخطورة، في ظل استمرار القمع، وتعدد سلطات الأمر الواقع، واتساع رقعة الانتهاكات التي تطال الصحفيين والإعلاميين في مختلف مناطق البلاد، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والمحاكمات غير العادلة، والتهديد، والتحريض، والمنع من التغطية، وصولًا إلى القتل والاستهداف المباشر.
وأوضحت المنظمة أن واقع حرية الصحافة في اليمن لم يعد مجرد انعكاس جانبي للحرب، بل أصبح جزءا من أدواتها، إذ تستخدم أطراف النزاع والسلطات المتعددة السيطرة على الإعلام كوسيلة للهيمنة على المجال العام، وتقييد تدفق المعلومات، وفرض رواية أحادية، وملاحقة كل صوت مستقل أو ناقد. ويكشف هذا الواقع عن أزمة بنيوية عميقة تهدد حق المجتمع في المعرفة، وتحرم الضحايا من إيصال أصواتهم، وتمنع الرأي العام من الاطلاع على حقيقة ما يجري في البلاد.
وأشارت سام إلى أن مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، وضع اليمن في المرتبة 164 من أصل 180 دولة، في تصنيف يعكس خطورة البيئة الإعلامية في البلاد، كما أشار التقرير إلى أن النزاعات المسلحة في دول مثل اليمن والسودان والعراق كانت من الأسباب الرئيسية لتدهور حرية الصحافة.
وقالت المنظمة إن هذا التصنيف لا يعكس رقمًا مجردا، بل يلخص سنوات من التضييق المنهجي على الصحافة، حيث تحولت مهنة الإعلام في اليمن إلى عمل محفوف بالمخاطر، يدفع فيه الصحفي ثمنًا باهظًا لمجرد قيامه بواجبه المهني في التوثيق، والسؤال، وكشف الانتهاكات، ونقل معاناة المدنيين.
وأضافت سام أن نقابة الصحفيين اليمنيين وثّقت خلال عام 2025 ما مجموعه 127 انتهاكا ضد الصحفيين والعاملين في الإعلام بين 1 يناير و31 ديسمبر، شملت صورا متعددة من الانتهاكات المهنية والقانونية والجسدية والاقتصادية، في مؤشر خطير على استمرار هشاشة البيئة الإعلامية وانهيار الضمانات القانونية اللازمة لحماية الصحفيين.
وأكدت المنظمة أن الانتهاكات ضد الصحفيين في اليمن لم تعد مرتبطة بطرف واحد أو منطقة واحدة، بل أصبحت سلوكًا متكررًا لدى مختلف أطراف النزاع وسلطات الأمر الواقع. فقد وثقت منظمات دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية من قبل أطراف متعددة، بينها جماعة الحوثي، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وفي مناطق سيطرة جماعة الحوثي، برزت قضايا عدد من الصحفيين بوصفها نماذج على توظيف الاعتقال والمحاكمات كأدوات لقمع الصحافة. فقد تعرض الصحفي محمد المياحي للاختطاف والإخفاء لأكثر من شهر بعد انتقاده الجماعة، قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن 18 شهرًا ومنعه من مزاولة العمل الصحفي. كما وثقت لجنة حماية الصحفيين اختطاف صحفيين آخرين، بينهم وليد علي غالب، وعبد الجبار زياد، وحسن زياد، وعبد العزيز النوم في محافظة الحديدة خلال مايو 2025.
وقالت المنظمة إن عددًا من القضايا الحديثة يشير إلى تصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين واستمرار التضييق على حرية الصحافة في مختلف مناطق السيطرة، بما يكشف أن استهداف الإعلام لم يعد محصورًا بطرف أو منطقة بعينها، بل تحول إلى نمط واسع يهدد العمل الصحفي برمته؛ ومن بين هذه القضايا قضية الصحفي ماجد زايد، الذي أُفرج عنه بعد ثلاثة اشهر من اعتقاله ، والكاتب محمد المياحي، الذي أُفرج عنه سنة ومصف من اعتقاله، إضافة إلى اعتقال الصحفي حمود هزاع في مأرب، واحتجاز الصحفي عبدالجبار بجابر في حضرموت، واختطاف الصحفي عادل النازلي في المخا، وهي وقائع تكشف، بتعدد مناطقها والجهات المتورطة فيها، عن اتساع دائرة الخطر التي تطال الصحفيين في اليمن، وعن غياب بيئة قانونية ومؤسسية موحدة تكفل حرية الإعلام وتحمي العاملين فيه من الملاحقة والاحتجاز والانتقام بسبب آرائهم أو عملهم المهني.
وفي عدن، تبرز قضية الصحفي ناصح شاكر بوصفها نموذجًا للاحتجاز المطوّل خارج الضمانات القانونية، حيث دعت لجنة حماية الصحفيين وشركاؤها إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عنه بعد أكثر من عامين من احتجازه. وتؤكد هذه القضية أن التضييق على الصحافة لا يقتصر على مناطق سيطرة الحوثيين، بل يمتد كذلك إلى مناطق نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي وسلطات الأمر الواقع الأخرى.
وأعربت سام عن قلقها البالغ من تصاعد المخاطر القاتلة التي تواجه العاملين في الإعلام، مشيرة إلى أن الغارة الإسرائيلية على مجمع صحفي في صنعاء في 10 سبتمبر 2025 أدت، بحسب لجنة حماية الصحفيين وتقارير دولية، إلى مقتل 31 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا، في واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد الصحفيين خلال السنوات الأخيرة. وتؤكد المنظمة أن الصحفيين والعاملين في الإعلام يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، وأن استهدافهم أو التساهل مع قتلهم يمثل انتهاكًا خطيرًا يكرس مناخ الإفلات من العقاب.
وشددت المنظمة على أن الصحافة الحرة تمثل خط الدفاع الأول عن حقوق الإنسان، لأنها تكشف الانتهاكات، وتراقب أداء السلطات، وتنقل معاناة المدنيين، وتمنح الضحايا فرصة للوصول إلى العدالة عبر الحقيقة. ولذلك فإن استهداف الصحفيين لا يطال أفرادًا يمارسون مهنة فحسب، بل يشكل اعتداءً مباشرًا على حق المجتمع في المعرفة، وعلى ذاكرة الضحايا، وعلى إمكانية بناء سلام عادل قائم على المساءلة لا على طمس الجرائم.
وقالت سام إن استمرار احتجاز الصحفيين على خلفية آرائهم أو عملهم المهني، وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، يمثل انتهاكًا صارخًا للالتزامات القانونية والإنسانية، ويكشف عن استخدام القضاء والأجهزة الأمنية كأدوات لمعاقبة حرية التعبير وإخماد الأصوات الحرة، بدلًا من أن تكون مؤسسات لحماية الحقوق وضمان العدالة.
وأكدت المنظمة أن الإفلات من العقاب ما يزال أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الجرائم والانتهاكات بحق الصحفيين، إذ إن غياب المساءلة شجع مرتكبي الانتهاكات على التمادي، ورسخ مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية داخل الوسط الإعلامي، ودفع كثيرًا من الصحفيين إلى النزوح، أو مغادرة البلاد، أو التوقف عن ممارسة المهنة تحت وطأة التهديد والملاحقة.
ودعت سام جميع أطراف النزاع وسلطات الأمر الواقع في اليمن إلى الوقف الفوري لجميع الانتهاكات ضد الصحفيين والإعلاميين، والإفراج غير المشروط عن جميع المحتجزين بسبب آرائهم أو عملهم الصحفي، والكشف عن مصير المخفيين قسرًا، ووقف استخدام القضاء والأجهزة الأمنية كوسائل للانتقام من الصحفيين وأصحاب الرأي.
كما دعت المنظمة إلى إصلاح البيئة القانونية والمؤسسية المنظمة للعمل الإعلامي، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير، وضمان الحماية القانونية والمهنية للصحفيين، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، ووقف حملات التحريض والتشهير التي تعرض الصحفيين لمزيد من المخاطر.
وحثت سام المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، والآليات الأممية المعنية بحرية التعبير، على ممارسة ضغط حقيقي وفاعل لحماية الصحفيين في اليمن، وتفعيل آليات المساءلة والمحاسبة بحق المتورطين في الانتهاكات الجسيمة ضدهم، مؤكدة أن حماية الصحافة في اليمن ليست قضية مهنية فحسب، بل شرط أساسي لحماية الحقيقة، وصون الذاكرة، ومساندة الضحايا، ومواجهة الإفلات من العقاب.