
مقدمة
تمثل قضية حاتم علي جعيم العولقي نموذجًا موثقًا لجريمة الإخفاء القسري في اليمن، حيث يواصل المواطن حاتم العولقي غيابه القسري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016 دون معرفة مصيره أو مكان احتجازه، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان الأساسية وللقانون الدولي.
معلومات أساسية عن الضحية
حاتم علي جعيم العولقي، مواطن يمني كان في السادسة والعشرين من عمره وقت اعتقاله، ينحدر من محافظة شبوة، مديرية نصاب، ويقيم في مدينة عدن بمنطقة الممدارة. كان حاتم يعمل سائق باص لكسب قوته اليومي، وكان طالب علم يسعى لبناء مستقبله بجهد متواضع يعكس طموحات شريحة واسعة من الشباب اليمني.
خلال عام 2015، في ظل الأوضاع الأمنية المضطربة التي شهدتها عدن إثر سيطرة جماعة الحوثي على المدينة، انضم حاتم إلى مقاومة المنصورة وفق روايات أقربائه، حيث قاتل مع أبناء المدينة دفاعًا عن مناطقهم. لم يكن حاتم قائدًا عسكريًا أو شخصية سياسية بارزة، بل كان شابًا عاديًا يؤمن بقضيته ويدافع عن مدينته.
بعد استعادة السيطرة على عدن، عاد حاتم إلى حياته الطبيعية واستأنف عمله كسائق باص. تزوج بعد التحرير، وبدت حياته تتجه نحو الاستقرار المنشود. إلا أن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً.
ظروف الاعتقال والإخفاء القسري
وقعت حادثة الاعتقال في 1 يوليو 2016، بعد زواج حاتم بشهرين فقط. في ذلك اليوم، كان حاتم في طريقه لزيارة أهله في منطقة المنصورة – بلوك 36 بمدينة عدن، بشارع المحافظ ريمي، عندما صادف وجود حملة أمنية قامت باعتقال عدد من الشباب.
بحسب روايات الأسرة وأقربائه، تمت محاصرة حاتم بعربات وسيارات، ثم اقتيد بالقوة دون أن يكون يحمل سلاحًا أو في حالة اشتباك أو هاربًا من أي جريمة. تشير الإفادات إلى أن القوات التي نفذت الاعتقال تتبع إدارة أمن عدن في تلك الفترة، حين كان شلال علي شائع يتولى منصب مدير الأمن.
وفق شهادة أحد أصدقاء حاتم، الذي طلب عدم ذكر اسمه، قامت القوة الأمنية بمداهمة بيت أقاربه، ثم اقتادته إلى موقع يشار إليه محليًا بـ"بيت شلال"، وهو موقع ارتبط في شهادات عديدة بملفات الاحتجاز في تلك الفترة. منذ تلك اللحظة، انقطعت كافة المعلومات عن مكان حاتم ومصيره.
جهود الأسرة في البحث عن الضحية
بدأت أسرة حاتم بحثًا مضنيًا عن ابنها، ظنًا منها أن الأمر مجرد تحقيق روتيني سينتهي وفق الإجراءات القانونية المعروفة من محضر واتهام ونيابة وقضاء. إلا أن ما واجهته الأسرة كان مختلفًا تمامًا، حيث بدأت سلسلة من الإنكار الرسمي لوجود حاتم في أي مكان احتجاز معلوم.
توجهت أسرة حاتم، والداه تحديدًا، حاملة صورته، برفقة أسر معتقلين آخرين، إلى معتقل بئر أحمد. هناك تمكنوا من التواصل مع أحد المعتقلين الذي أكد أنه كان رفيق حاتم في الاعتقال. قدم هذا المعتقل تفاصيل دقيقة لا يمكن أن يعرفها إلا من التقى بحاتم فعليًا، حيث أخبرهم أن حاتم تزوج منذ شهرين، وأن والدته تعاني من مرض في الدماغ، وهي معلومات صحيحة أكدت للأسرة أن الشاهد التقى بابنهم بالفعل.
رغم هذه الشهادة، لم يتمكن الشاهد من تحديد مكان احتجاز حاتم الحالي. أفاد بأن حاتم ورفقاءه المعتقلين نُقلوا إلى جهة أخرى، وأنهم كانوا ينقلونهم مغمضي الأعين، وأنهم يحقنونهم بإبر في الكتف حتى يفقدوا الوعي أثناء النقل. هذه الممارسات تشير إلى نمط ممنهج في التعامل مع المعتقلين بطريقة تحرمهم من معرفة أماكن احتجازهم.
ذكرت الأسرة أن بعض الجهات أشارت إلى أن حاتم "أخذ إلى التحالف"، إلا أن المسؤولين أنكروا وجوده لديهم عند المتابعة. هذا التناقض بين الإفادات والإنكار الرسمي وضع الأسرة في حالة من الغموض القانوني والإنساني، حيث لا يمكنهم التأكد من حياة ابنهم أو وفاته.
يقول صديق حاتم في شهادته: "ذهبنا كل مكان. وزارة حقوق الإنسان، وزارة الداخلية، المجمع القضائي… بدون أي فائدة. لم نجد أي معلومة عن حاتم. ردهم الوحيد: هذا الشخص أخذه التحالف".
المتابعة الحقوقية والتوثيق
تابعت منظمة سام للحقوق والحريات قضية حاتم وقضايا مشابهة أخرى بصورة مستمرة على مدى أكثر من سبع سنوات، حيث رصدت تفاصيلها خطوة بخطوة، ووثقت معاناة الأسر المتضررة عبر شهاداتهم المباشرة. عملت المنظمة على التحقق من الروايات، وجمع الإفادات، وتسليط الضوء على ما تكشفه الشهادات من حقائق في ظل جدار الصمت المفروض على هذه القضايا.
في عام 2021، أصدرت المنظمة تقريرًا معنونًا "الغيبة الطويلة"، قدم عرضًا موجزًا لعدد من حالات الإخفاء القسري ومعاناة ذويهم المستمرة. كان حاتم علي جعيم العولقي أحد الأسماء البارزة في ذلك التقرير، حيث لا تزال قضيته معلقة دون أثر معروف أو إجابة رسمية.
التقى فريق منظمة سام بأحد أقارب الضحية، الذي وصف الوضع الإنساني المأساوي الذي تعيشه الأسرة منذ لحظة اختفاء حاتم. أصبح الحزن مخيمًا على البيت، فالأم تعاني من مرض في الدماغ وتعيش تحت ضغط القلق المستمر على مصير ابنها. الأب كبير في السن، أصبح قعيدًا في المنزل بعد إصابته بمرض أقعده عن الحركة. أما الزوجة فقد أصيبت بصدمة نفسية شديدة نتيجة فقدان زوجها بعد شهرين فقط من الزواج.
في شهادة مؤثرة، قال أحد أقارب حاتم: "ماذا فعل حاتم ليخفى قسرا؟ تعبنا من الوقفات الاحتجاجية الأسبوعية، لكن لا أحد يلتفت إلى مطالبنا".
المساعي القانونية والإدارية
سلكت أسرة حاتم كافة الطرق القانونية والإدارية الممكنة للوصول إلى معلومات عن مصير ابنها. في عام 2019، قابلت الأسرة شلال علي شائع، مدير أمن عدن السابق، وشرحوا له وضع ابنهم المخفي قسريًا. بحسب رواية الأسرة، قال لهم: "ابنكم عندنا محتفظين فيه… وإذا عنده شيء تعالوا ودعوه عبر السجن المركزي… وإذا ما عنده شيء بيجيكم للبيت".
خرجت الأسرة من هذا اللقاء متأملة أن تتحرك العدالة، إلا أن شيئًا لم يحدث. تلقت الأسرة لاحقًا ردًا يفيد بأن كافة السجون أجابت بأن حاتم غير موجود لديها، باستثناء سجنين لم يأت منهما رد واضح.
في عام 2021، قابلت الأسرة عيدروس قاسم الزبيدي ضمن وفد من أبناء شبوة وشيوخها، يتقدمهم الشيخ علي أحمد الجبواني. جرى اللقاء بحضور شلال علي شائع. أشار المسؤولون إلى وجود مساجين "سلمتهم الإمارات"، وآخرين "نقلوا إلى الإمارات"، وحرروا للأسرة خطابًا موجهًا إلى الأمن للبحث في السجون.
حصلت الأسرة على الخطاب وتوجهت به إلى الجهات المعنية، حيث قابلوا مدير أمن عدن. جرى توقيع الورقة وتحويلها إلى غرفة العمليات، وأخذ منهم الأصل، وطُلب منهم العودة بعد عشرين يومًا. عادت الأسرة بعد المدة المحددة، لكنهم طُلب منهم الانتظار عشرين يومًا إضافية. ثم قيل لهم إن الإجراءات لم تكتمل. ثم صمتت الجهات تمامًا، وبقيت الأسرة وحدها تحمل ملفًا ثقيلاً دون الوصول إلى أي نتيجة.
تؤكد الأسرة أنها لا تعلم ما هي التهمة الموجهة إلى حاتم، ولا طبيعة القضية، ولا سبب القبض عليه. لا تزال الأسرة ترجح أن حاتم محتجز في أماكن مرتبطة بالمجلس الانتقالي، لكن دون دليل قاطع أو إقرار رسمي.
شهادة والد الضحية
في كلمة مؤثرة تعكس معاناة الأسرة المستمرة، قال والد حاتم: "أنا والد حاتم العولقي، الذي تم اختطافه وإخفاؤه قسرا منذ عام 2016. كل يوم يمر علينا دون معرفة مصيره هو يوم مليء بالقلق والدموع… نحن نريد أن نعرف مصير حاتم، ونطالب جميع الجهات المعنية بالتحرك الفوري للكشف عن مكانه، ومحاسبة الذين قاموا باختطافه… لن نتراجع عن مطالبنا، وسنظل نطالب بالعدالة حتى آخر نفس".
تعبر هذه الشهادة عن رجاء والد مكلوم بالحزن، يحمل في قلبه ألم الفقد المستمر دون أن يجد حتى ورقة رسمية تخبره بمكان ابنه أو مصيره.
الموقف القانوني والحقوقي
يمثل إخفاء حاتم علي جعيم العولقي قسريًا، وفق ما ترويه أسرته والشهادات المتقاطعة، انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان المكفولة في المواثيق الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان. يعد الإخفاء القسري جريمة مستمرة ما دام مصير الضحية مجهولاً وما دام مكان احتجازه غير معلن رسميًا.
لا يقتصر تأثير هذه الجريمة على الضحية وحده، بل يمتد ليدمر العائلة بأكملها، ويحولها إلى ضحية جماعية تعيش في حالة من القلق والترقب المستمر. كما أن استمرار هذه الممارسة يقوض سيادة القانون ويحول الدولة إلى كيان لا يحترم التزاماته الدستورية والقانونية تجاه مواطنيه.
تؤكد منظمة سام للحقوق والحريات أنها تواصلت مع أسرة الضحية أكثر من مرة، ووثقت إفاداتها ضمن جهودها في رصد حالات الغياب الطويل والإخفاء القسري في اليمن. تعتبر المنظمة هذه الجريمة من أخطر الانتهاكات التي تبقي الضحايا خارج حماية القانون، وتترك الأسر رهينة الانتظار والإنهاك النفسي والجسدي.
المطالب الإنسانية والقانونية
بعد مرور عشر سنوات على اختفاء حاتم، تواصل أسرته المطالبة بحقوقها المشروعة. هذه العشر سنوات ليست مجرد رقم زمني، بل تمثل معاناة مستمرة لأم شاخت فوق سؤال واحد عن مصير ابنها، ولأب قعيد ينتظر عودة ابنه، ولزوجة فقدت حلمها بحياة مستقرة بعد شهرين فقط من الزواج، ولبيت تحول إلى مكان يخيم عليه الحزن والترقب.
مطالب الأسرة واضحة ومحددة وتستند إلى أبسط الحقوق الإنسانية:
أولاً، معرفة مصير حاتم، سواء كان حيًا أم ميتًا، إذ من حق الأسرة معرفة ما حل بابنها.
ثانيًا، الكشف عن مكان احتجازه إن كان لا يزال على قيد الحياة، وتمكين الأسرة من التواصل معه.
ثالثًا، ضمان حقه في العدالة والمحاكمة العادلة إن كانت هناك اتهامات موجهة إليه، أو الإفراج عنه فورًا إن لم تكن هناك تهم قانونية.
رابعًا، محاسبة المسؤولين عن اعتقاله وإخفائه القسري طوال هذه السنوات.
خامسًا، وضع حد لهذه المعاناة الطويلة التي استمرت لعشر سنوات دون أي تطور أو معلومات رسمية.
الخلاصة
تمثل قضية حاتم علي جعيم العولقي نموذجًا مأساويًا لظاهرة الإخفاء القسري في اليمن، حيث يختفي المواطنون دون معرفة مصيرهم أو مكان احتجازهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي. منذ أكتوبر 2016 حتى اليوم، تعيش أسرة حاتم في حالة من الغموض والألم المستمر، رغم كل المساعي القانونية والإدارية التي بذلتها للوصول إلى الحقيقة.
إن استمرار هذه الحالة لعشر سنوات كاملة دون حل يعكس فشلاً في منظومة العدالة، ويؤكد ضرورة التدخل العاجل من قبل الجهات المعنية محليًا ودوليًا لإنهاء معاناة هذه الأسرة والأسر الأخرى التي تعيش ظروفًا مماثلة. يبقى حاتم علي جعيم العولقي اسمًا ضمن قائمة طويلة من المخفيين قسريًا الذين ينتظرون العدالة والإنصاف.