
جنيف - قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن ما كشفه تقرير اللجنة الحكومية المكلفة بمراجعة قوائم المبتعثين وآليات الابتعاث خلال الفترة من 2016 إلى 2022 يثير مخاوف جدية بشأن سلامة إدارة ملف المنح الدراسية، ويستوجب فتح تحقيق جنائي عاجل ومستقل، ومساءلة جميع المسؤولين عن المخالفات التي أدت إلى هدر المال العام وحرمان طلاب مستحقين من فرصهم التعليمية.
وأوضحت المنظمة أن التقرير كشف عن اختلالات واسعة رافقت إدارة ملف الابتعاث الحكومي، شملت تعطيل اللجان القانونية، وعدم تطبيق قانون البعثات والمنح الدراسية، والاعتماد على التوجيهات الشخصية والتدخلات غير الرسمية بدلاً من المفاضلة والاختيار وفق معايير معلنة وشفافة، واصفاً إدارة الملف بأنها اتسمت بـ"العشوائية والفوضى".
وأضافت أن التقرير أشار إلى إحلال نظام التوجيهات الشخصية محل معايير الجدارة والاستحقاق، بما فتح الباب أمام الوساطات والعلاقات الشخصية، وأدى إلى ابتعاث طلاب بمعدلات منخفضة أو دون اجتياز امتحانات المفاضلة، فضلاً عن مخالفات في قرارات الاختيار والتمديد والاستمرارية.
ولفتت المنظمة إلى أن التقرير رصد كذلك حالات تزوير في توجيهات ووثائق رسمية، وأشار إلى إحالة قضية تتعلق بأكثر من 80 توجيهاً وتوقيعاً مزوراً إلى محكمة الأموال العامة، وهو ما يستدعي تحقيقاً قضائياً شفافاً يكشف جميع المتورطين ويضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.
وأشارت منظمة سام إلى أن التقرير اعتبر ملف الإضافات من أبرز مواطن الخلل، إذ جرى تسجيل 1565 إضافة خلال عام 2018 بكلفة تجاوزت 2.9 مليون دولار في الربع الواحد، كما رصد 508 حالات لإخوة و284 عائلة استحوذت على عدد كبير من المنح، بما يمثل نحو 33% من إجمالي المبتعثين، في مخالفة صريحة لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.
وأكدت المنظمة أن الوقائع الواردة في التقرير، إذا ثبتت، قد تشكل جرائم يعاقب عليها قانون الجرائم والعقوبات اليمني وقانون مكافحة الفساد، بما في ذلك استغلال النفوذ، والتزوير، وإساءة استعمال السلطة، والإضرار بالمال العام، الأمر الذي يفرض على النيابة العامة مباشرة تحقيقات مستقلة وشاملة، ومساءلة جميع المتورطين دون استثناء.
وقالت المنظمة إن هذه الوقائع لا تمثل مجرد مخالفات إدارية أو مالية، بل تنطوي أيضاً على انتهاك لمبدأ المساواة وعدم التمييز، وإخلال بحق الطلاب في تكافؤ الفرص والوصول العادل إلى التعليم، باعتبار أن المنح الدراسية تمثل مورداً عاماً ينبغي توزيعه وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، لا على أساس النفوذ أو القرابة أو التوجيهات الشخصية.
وقال توفيق الحميدي: "عندما تستحوذ الوساطات والعلاقات الشخصية على فرص التعليم الممولة من المال العام، فإن الضرر لا يقتصر على الفساد المالي، بل يمتد إلى حرمان الطلاب المستحقين من مستقبلهم العلمي والمهني، وتقويض ثقتهم بمؤسسات الدولة، بما يشكل انتهاكاً لحقهم في المساواة وتكافؤ الفرص."
ودعت منظمة سام للحقوق والحريات النائب العام إلى فتح تحقيق شامل في جميع الوقائع التي تناولها التقرير خلال الفترة من 2016 إلى 2022، بما في ذلك التوجيهات الشخصية، والتزوير، والإضافات غير القانونية، وتمديد المنح دون مسوغ قانوني، وحالات استحواذ الأقارب والعائلات على نسب مرتفعة من فرص الابتعاث.
كما طالبت بمساءلة كل من يثبت تورطه في إصدار أو تنفيذ توجيهات مخالفة للقانون، أو تزوير الوثائق، أو استغلال الوظيفة العامة، أو تسهيل حصول غير المستحقين على المنح، أياً كانت مناصبهم أو صفاتهم الرسمية، بما يكفل إعمال مبدأ المساواة أمام القانون وعدم الإفلات من العقاب.
ودعت المنظمة إلى مراجعة جميع قوائم الابتعاث المشمولة بالتقرير، وإلغاء المنح والتمديدات التي يثبت منحها بالمخالفة للقانون، واسترداد الأموال العامة المصروفة بغير وجه حق، وإعادة تخصيص الفرص المتاحة للطلاب المستحقين وفق معايير شفافة وعادلة ومعلنة.
وشددت كذلك على ضرورة تمكين الطلاب المتضررين من سبل انتصاف فعالة، بما يشمل حق التظلم، ومراجعة قرارات الحرمان، وجبر الضرر الذي لحق بهم نتيجة استبعادهم لصالح أشخاص غير مستحقين، بما ينسجم مع التزامات الدولة بحماية الحق في التعليم وضمان المساواة.
وطالبت منظمة سام بنشر التقرير الحكومي كاملاً، وإعلان نتائج التحقيقات والإجراءات القضائية للرأي العام، باعتبار أن الشفافية والمساءلة تمثلان شرطين أساسيين لاستعادة الثقة في منظومة الابتعاث وفي مؤسسات الدولة المعنية بإدارة المال العام.
وأكدت المنظمة في ختام بيانها أن مكافحة الفساد في ملف المنح الدراسية ليست قضية مالية فحسب، وإنما قضية حقوقية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في التعليم، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وعدم التمييز، والحق في إدارة عامة نزيهة وخاضعة للمساءلة، داعية السلطات المختصة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات وحماية حقوق الطلاب المستحقين.