اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين
الجرائم ضد الصحفيين: إفلات من العقاب وتهديد للحقيقة
  • 02/11/2026
  •  https://samrl.org/l?a5835 
    منظمة سام |

    في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، منظمة سام تطالب بتحقيقات مستقلة ومساءلة الجناة وحماية الإعلاميين وإنصاف الضحايا وأسرهم

    جنيف – قالت منظمة سام للحقوق والحريات إن اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يصادف الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، يحلّ هذا العام بينما لا يزال الصحفيون في اليمن يدفعون أثمانًا باهظة لعملهم في كشف الحقيقة، وسط استمرار جرائم القتل والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والتهديد والملاحقات القضائية، في بيئة تتسم بضعف مؤسسات العدالة وغياب المساءلة الفعالة عن الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف النزاع والسلطات المختلفة بحق العاملين في المجال الإعلامي.

    وأكدت المنظمة أن استمرار الإفلات من العقاب لم يعد مجرد نتيجة لضعف التحقيقات أو تعثر الإجراءات القضائية، بل تحول إلى عامل رئيسي في إعادة إنتاج الانتهاكات، وتشجيع مرتكبيها على التمادي، وفرض مناخ من الخوف والرقابة الذاتية على الصحفيين. وشددت على أن كل جريمة تُترك دون تحقيق جاد، وكل صحفي يُحتجز بسبب عمله دون مساءلة المسؤولين، يمثلان تقويضًا إضافيًا لسيادة القانون ورسالة تهديد لكل من يسعى إلى كشف الانتهاكات أو مساءلة أصحاب السلطة والنفوذ.

    وأوضحت سام أن واقع الصحافة في اليمن يكشف عن نمط ممتد من الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف متعددة، تتصدرها جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها، من خلال الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري وتوظيف الأجهزة الأمنية والقضائية لإسكات الأصوات المنتقدة، إلى جانب انتهاكات ارتكبتها تشكيلات مسلحة وسلطات أمنية في مناطق أخرى، شملت الاعتداء على المؤسسات الإعلامية واحتجاز الصحفيين وتهديدهم وملاحقتهم بسبب آرائهم أو تغطياتهم. وأكدت أن اختلاف الجهات المسؤولة لا يغير الطبيعة غير المشروعة لهذه الممارسات، ولا يعفي أي طرف من واجب وقفها ومحاسبة مرتكبيها.

    وأشارت المنظمة إلى أن عام 2026 شهد وقائع خطيرة تؤكد استمرار تهديد حياة الصحفيين وسلامتهم، من بينها مقتل الصحفي عبدالصمد القاضي في مدينة تعز في 26 فبراير/شباط، واغتيال الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي العربية والحدث، في 24 يونيو/حزيران، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت. وكانت سام قد أدانت مقتل عيضة، وطالبت بتحقيق عاجل ومستقل يكشف الجناة ومن يقف خلفهم ويضمن تقديمهم إلى العدالة. وترى المنظمة أن هذه الجرائم تفرض على السلطات المختصة التزامًا لا يقتصر على إعلان فتح التحقيقات، بل يمتد إلى كشف نتائجها، وتحديد المسؤوليات، وضمان ملاحقة جميع المتورطين، بمن فيهم المحرضون والمخططون والآمرون، وفقًا للأدلة والإجراءات القانونية.

    وفي مناطق سيطرة جماعة الحوثي، أعربت سام عن إدانتها الشديدة لاستمرار احتجاز الصحفيين وإخفائهم وحرمانهم من الضمانات القانونية الأساسية، مشيرة إلى قضية الصحفي صلاح الدين الروحاني، الذي اعتقلته الجماعة من منزله في صنعاء خلال مارس/آذار 2026، وظل مكان احتجازه وحالته الصحية مجهولين وفقًا لما وثقته لجنة حماية الصحفيين. وشددت المنظمة على أن إخفاء الصحفيين وحرمان أسرهم من معرفة مصيرهم لا يشكل اعتداءً على حرية الصحافة وحدها، بل انتهاكًا جسيمًا للحقوق الأساسية للمحتجزين وعائلاتهم، ويستوجب الكشف الفوري عن أماكن احتجازهم وضمان سلامتهم وإطلاق سراح المحتجزين تعسفًا بسبب عملهم أو آرائهم.

    ولفتت سام إلى أن المخاطر التي تواجه الصحفيين لا تقتصر على القتل والاحتجاز، بل تمتد إلى التهديد والتحريض والاعتداء على مقار المؤسسات الإعلامية واستخدام الملاحقات القضائية لترهيب الصحفيين. واستذكرت في هذا السياق اقتحام مقر صحيفة «عدن الغد» والاعتداء على العاملين فيها، والتهديدات التي تعرض لها الصحفي عمر المقرمي، مراسل التلفزيون العربي، فضلًا عن الإجراءات القضائية بحق الصحفي حمود هزاع. كما أشارت إلى البلاغ الذي قدمه الصحفي رأفت الوافي في تعز خلال أغسطس/آب 2026 بشأن تعرضه للتهديد ومحاصرة منزله، مؤكدةً أن تقاعس السلطات عن التعامل الجاد مع التهديدات والاعتداءات يفتح الباب أمام تصاعدها، وقد يحول التحريض إلى جرائم أشد خطورة تهدد حياة الصحفيين وأسرهم.

    وأبدت المنظمة قلقًا خاصًا إزاء اتساع المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون في مناطق التصعيد العسكري، ولا سيما في تعز والساحل الغربي، وما ترتب على ذلك من نزوح إعلاميين وفقدان مصادر رزقهم وتعطل مؤسسات صحفية. وأشارت إلى أن المرصد اليمني للحريات الإعلامية «مرصدك» وثّق 126 انتهاكًا ضد الحريات الإعلامية خلال سبتمبر/أيلول 2026، نسب 120 منها إلى جماعة الحوثي، وشملت الوقائع نزوح أكثر من مئة صحفي وعامل إعلامي من المخا ومناطق ساحلية مجاورة. وحذرت سام من أن التهجير القسري أو النزوح تحت وطأة التهديد والعنف، وما يصاحبه من فقدان وسائل العمل والدخل، يهدد استمرار الصحافة المستقلة ويحرم المجتمعات المتضررة من مصادر المعلومات والتوثيق.

    وفي السياق الدولي، قالت المنظمة إن استمرار الجرائم ضد الصحفيين في اليمن يعكس أزمة أوسع في حماية حرية الصحافة وإنفاذ العدالة، مشيرة إلى أن التقرير الجديد لمنظمة اليونسكو، الصادر في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، كشف مقتل 189 صحفيًا خلال عامي 2024 و2025، بينهم 127 في مناطق النزاعات المسلحة، فيما بلغت نسبة قضايا قتل الصحفيين التي لم تُحسم قضائيًا على المستوى العالمي 86%، في انتكاسة جديدة للجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب.

    وأكدت سام أن هذه الأرقام تعكس خطورة الفجوة بين الالتزامات الدولية والواقع الذي يواجهه الصحفيون، خصوصًا في مناطق النزاع، حيث تتزايد مخاطر الاستهداف بالأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة، إلى جانب أشكال العنف التقليدية والتهديدات الرقمية والتحريض. وشددت على ضرورة تطوير آليات التحقيق والمساءلة بما يتناسب مع هذه المخاطر، وضمان عدم تحول التطورات التقنية أو تعقيدات النزاعات إلى مبررات لإخفاء الأدلة أو تعطيل العدالة.

    وشددت المنظمة على أن الصحفيين يتمتعون بالحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، وأن تعمد توجيه الهجمات ضدهم بصفتهم المدنية قد يشكل جريمة حرب. كما أكدت أن المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها، وأن قرار مجلس الأمن رقم (2222) لعام 2015 يؤكد ضرورة حماية الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام أثناء النزاعات المسلحة، ومكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحقهم.

    ودعت منظمة سام الحكومة اليمنية والسلطات القضائية والأمنية المختصة إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وفعالة في جميع جرائم قتل الصحفيين والاعتداء عليهم، ومراجعة القضايا التي لم تصل إلى نتائج قضائية واضحة، وحفظ الأدلة وحماية الشهود وأسر الضحايا، ونشر معلومات دورية عن مسار التحقيقات والإجراءات المتخذة، بما يضمن عدم الاكتفاء بإعلانات شكلية عن ضبط مشتبه بهم دون استكمال المساءلة القضائية.

    وطالبت المنظمة جماعة الحوثي بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المحتجزين تعسفًا بسبب عملهم أو آرائهم، والكشف عن مصير المخفيين قسرًا وأماكن احتجازهم، والسماح لهم بالتواصل مع أسرهم ومحاميهم، ووقف توظيف القضاء والأجهزة الأمنية في ملاحقة الصحفيين وتجريم العمل الإعلامي. كما طالبت السلطات والقوى المسلحة في بقية المناطق بوقف الاعتقالات والتهديدات والاعتداءات على المؤسسات الصحفية، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم استخدام النفوذ الأمني أو السياسي لحماية الجناة من العدالة.

    وحثت سام الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والآليات الدولية المعنية بحرية التعبير على اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لمعالجة الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين في اليمن، ودعم إنشاء آلية تحقيق دولية مستقلة تتمتع بالقدرة على جمع الأدلة وحفظها وتحديد المسؤوليات تمهيدًا للمساءلة، إلى جانب تقديم الحماية والدعم القانوني والنفسي للضحايا وأسرهم، وإدراج قضايا الصحفيين ضمن جهود العدالة الانتقالية وأي ترتيبات مستقبلية للسلام.

    كما دعت المنظمة إلى وضع تدابير وطنية فعالة لحماية الصحفيين والصحفيات، بما يشمل الاستجابة العاجلة للتهديدات، والتحقيق في حملات التحريض والتشهير والعنف الرقمي، وضمان استقلالية المؤسسات الإعلامية وسلامة العاملين فيها، وإزالة القيود التعسفية المفروضة على التغطية الصحفية وتداول المعلومات، وتوفير سبل الانتصاف والتعويض العادل للضحايا وأسرهم.

    واختتمت منظمة سام بيانها بالتأكيد على أن إنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لا يتحقق بإحياء الذكرى أو تكرار الإدانات، بل بكشف الحقيقة وتحديد المسؤولين وتقديمهم إلى العدالة وإنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار الجرائم. وشددت على أن أي عملية سلام في اليمن تتجاهل حقوق الصحفيين والضحايا أو تسمح بإغلاق ملفات الانتهاكات دون مساءلة ستبقى سلامًا منقوصًا، مؤكدة أن حماية الصحافة ليست امتيازًا مهنيًا، وإنما ضمانة أساسية لحق المجتمع في المعرفة، ولحفظ ذاكرة الضحايا، ولقيام دولة تحكمها العدالة بدلًا من الخوف والصمت.

     

  •  
    جميع الحقوق محفوظة لمنظمة سام © 2023، تصميم وتطوير