
منذ العام 2016، دخلت أسرة سعيد عمر مقدح القميشي نفقا مظلما لم تعرف له نهاية حتى اليوم. لم يكن الفقد هذه المرة موتًا يمكن البكاء عليه أو التكيّف معه، بل كان غيابًا قسريًا طويلًا… غيابا بلا وداع، وبلا محاكمة، وبلا تهمة، وبلا أي معلومة تطمئن قلبا أو تُسكن انتظارا. بيتٌ كامل بات ينام على سؤال واحد لا ينام: أين هم؟
في ذلك العام، اختفى نجلا الأسرة قسرا في أمن عدن.
صالح سعيد عمر مقدح القميشي، وكان يبلغ من العمر 24 عامًا، شابًا في مقتبل حياته، متزوجًا وربّ أسرة.
ومحمد سعيد عمر مقدح القميشي، وكان قاصرًا لا يتجاوز 17 عامًا وفق إفادة والده، بينما وردت إفادة أخرى لاحقة بعمر مختلف، في انعكاسٍ مؤلم لحجم الارتباك والضياع الذي تعيشه الأسرة منذ سنوات… حين تُحاصر الحقيقة بالصمت، ويُترك الإنسان يفتش عن ابنه بين الظنون.
ولم يتوقف الأمر عندهما. ففي السياق ذاته، اختُطف أيضًا قاصر من أبناء الحديدة كان يعمل في مطعم، وارتبط غيابه بغيابهما، دون أن تُعرف عنه أو عن مصيره أي معلومة حتى اليوم، ودون أن تجد أسرته إجابة واحدة تُنهي هذا الفراغ القاتل.
منذ لحظة الإخفاء، انقطعت أخبار الشابين تماما. لم يسمح للأسرة بزيارتهما، ولا بالتواصل معهما، ولا حتى بمعرفة مكان احتجازهما أو وضعهما القانوني. لا رسالة، لا اتصال، لا خبر… فقط صمتٌ طويل ينهش القلوب، ويحوّل الأيام إلى انتظارٍ بلا نهاية.
وما يزيد من قسوة المأساة أن الأب لا يتحدث عن شكوك أو روايات غير مؤكدة، بل يمتلك استلامات رسمية تثبت احتجاز ولديه، صادرة عن جهات ومسؤولين معروفين، وهم:
شلال علي شايع – مدير أمن عدن آنذاك،
نقيب اليهري – مدير سجن المنصورة،
عبدالدايم – نائب مدير أمن عدن.
ورغم هذه الوثائق، ظل مصير الشابين مجهولًا منذ سبع سنوات كاملة… كأن الأوراق لا تكفي لإظهار إنسان، وكأن الغياب أصبح قدرًا لا يُسأل عنه أحد.
نداء استغاثة من قلبٍ مكسور
في نداء موجع، رفع الأب صوته إلى:
الملك سلمان بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين،
وولي العهد محمد بن سلمان،
والدكتور رشاد محمد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي،
وكل من يحضر مؤتمر الرياض.
لم يكن النداء سياسيا، ولا بحثا عن امتياز أو منصب أو تعويض. كان نداء أب بسيط يقول ": أطلب من سيادتكم الوقوف معي في إظهار أولادي".
مطلب واحد فقط: الحقيقة. هل أبناؤه أحياء أم أموات؟
أسرة ينهشها المرض بعد الغياب
غياب الشابين لم يترك فراغا نفسيا فحسب، بل دمّر صحة الأسرة بالكامل. الأب، سعيد عمر مقدح القميشي، رجل أنهكه المرض والانتظار. أجرى ثلاث عمليات في القلب، اثنتين في مصر وواحدة في الهند، كما أجرى عملية في الدماغ (الرأس) في الهند. يقول الأب إن جسده لم يعد يحتمل، لكن الألم الحقيقي ليس في الجسد… بل في القلب الذي لا يعرف مصير فلذات كبده.
أما الأم، فقد أنهكها الحزن حتى استوطن المرض جسدها: ضغط الدم، السكري، أمراض الكبد. ويؤكد الأب أن هذه الأمراض تفاقمت بعد اختطاف الأبناء، وأن الأسرة بأكملها تعيش حالة انهيار نفسي كامل، وكأن الإخفاء القسري لم يكتفِ بخطف الأبناء… بل امتد ليخطف صحة من بقوا.
هذا الإخفاء لم يكتف بخطف صالح ومحمد.
بل دفع الأسرة ــ مجبرة ــ إلى أن تتخلى عن بقية أبنائها، واحدًا تلو الآخر.
كأنها تنزع قلبها قطعة قطعة كي تنجو بما يمكن إنقاذه.
لم تعد عدن مكانا للحياة.
صارت مكانا للخوف المفتوح.
وصارت كل خطوة محسوبة بالقلق.
وكل صباح مؤجلا على خبر لا يأتي.
خرج الأبناء في رحلة محفوفة بالمخاطر.
لا يحملون حقائب ثقيلة.
بل يحملون وجعهم.
وسؤالهم الكبير: أين هم؟
أحدهم وصل إلى أمريكا بعد طريقٍ طويل وشاق.
والثاني وصل إلى المكسيك، ثم عاد من حدود أمريكا، ثم عاد لاحقًا إلى اليمن.
أما الثالث فقد وصل إلى مدغشقر في أفريقيا، ثم عاد أخيرًا.
وهكذا لم يعد الغياب حكاية مخفيين فقط.
بل صار نزيفًا يلاحق من بقي.
وتشظّيا يمزّق الأسرة على خرائط بعيدة.
ووجعًا يتثاقل… وجدا بعد وجد.
وكلما طال الانتظار… صار الألم أثقل من القدرة على الاحتمال.
حيوات توقفت في لحظة
لم يكن صالح ومحمد مجرد أسماء في بلاغ. كانا حياتين كاملتين توقفتا فجأة. محمد كان مخطوبًا، يستعد لبداية حياة جديدة، لكن الإخفاء جمّد الزمن عند تلك اللحظة. خطيبته لا تزال حتى اليوم معلّقة المصير، لا هي زوجة، ولا قادرة على إغلاق هذا الجرح والمضي بحياتها.
وصالح كان رب أسرة، متزوجًا ولديه أربعة أبناء (ولدان وبنتان)، إحداهن متزوجة، وأخرى لا تزال في سن الطفولة. غيابه لم يحرم أطفاله من الأب فقط، بل تركهم في فراغ اجتماعي ونفسي قاسٍ، وفي انتظار لا يفهمه الأطفال، لأن الطفل لا يفهم معنى الإخفاء القسري… لكنه يفهم جيدًا معنى أن يكبر بلا أب.
ويقول الأب بحرقة تختصر كل شيء:
“الإنسان إذا مات خلاص نقدر نعزّي أنفسنا، لكن مع هذا الحال.. لا نعرف هل أبناءنا أحياء أم أموات، هل يُعذّبون أم منسيون، هذه أقسى من الموت”.
بين الحياة والموت… عذاب بلا نهاية
سبع سنوات مرّت، ولا يزال السؤال معلّقا:
هل الشابان أحياء؟
هل يتعرضان للتعذيب؟
هل نُقلا من سجن إلى آخر؟
هل ما زالا في عدن أم في مكانٍ مجهول؟
هذا التعليق القسري بين الحياة والموت حوّل الأسرة إلى ضحية مستمرة. فلا حزن مكتمل يمكن التعايش معه، ولا أمل واضح يمكن الاتكاء عليه. إنها معاناة مستمرة تتجدد كل يوم، وكأن الزمن لا يتحرك… بل ينهار ببطء داخل البيت.
صوت يحاول كسر الصمت
وضعت الأسرة قصتها أمام منظمة سام للحقوق والحريات، في محاولة أخيرة لكسر جدار الصمت، وإيصال هذه المأساة إلى الرأي العام والجهات المعنية، باعتبار الإخفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم، وانتهاكًا صارخًا لكل القوانين المحلية والدولية.
فهذه القصة ليست رقما في تقرير، ولا اسما في ملف. إنها وجع أب يريد أن يرى أبناءه، أو على الأقل أن يعرف مصيرهم. إنها صرخة أم تنتظر طرقا على الباب منذ سنوات. إنها خطيبة معلّقة. وأطفال كبروا وهم يسألون عن أب لم يعد.
ليست قضية أسرة واحدة
قصة أسرة القميشي ليست حالة وحيدة، بل نموذج صارخ لمعاناة مئات العائلات اليمنية التي تعيش الألم ذاته ، خاصة في المحافظات الجنوبية ، لكنها تُروى هنا بكل أسمائها وتفاصيلها، لأنها تمثل الحقيقة العارية للإخفاء القسري: جريمة تمتد آثارها لسنوات، وتدمّر الإنسان حيا.
وحتى اليوم، لا يزال الأب يكرر مطلبه الوحيد:
"اشتي أعرف عيالي… أحياء هم أو أموات".
طلب بسيط، لكنه في واقع الإخفاء القسري، يتحول إلى حلمٍ مؤجل، ووجع مفتوح لا يلتئم.
غيابٌ يوجع.. وجريمةٌ تستوجب المساءلة
إن إظهار مصير المخفيين قسرا ليس مطلبا سياسيا، بل واجب إنساني وأخلاقي. فالعدالة تبدأ بالاعتراف، والرحمة تبدأ بكشف الحقيقة، وبين هذا وذاك، تظل أسرة القميشي واقفة على حافة الأمل، تناشد الضمير الإنساني أن لا يترك أبناءها في العتمة، ولا يترك قلبها معلّقا إلى الأبد.
وفي هذا السياق، تطالب منظمة سام للحقوق والحريات بالكشف الفوري والواضح عن مصير الشابين صالح ومحمد سعيد عمر مقدح القميشي، وتمكين أسرتهما من معرفة مكان احتجازهما ووضعهما القانوني دون أي إبطاء، وضمان حقهما في التواصل مع ذويهما، والإفراج عنهما فورًا.
كما تشدد المنظمة على فتح تحقيق مستقل وشفاف في جريمة الإخفاء القسري التي تعرضا لها منذ عام 2016، ومساءلة جميع المسؤولين عنها، أياً كانت مناصبهم، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وتؤكد المنظمة أن الإخفاء القسري جريمة جسيمة وانتهاك صارخ للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتدعو السلطات المعنية إلى الالتزام بتعهداتها القانونية والإنسانية، ووضع حد لمعاناة الأسرة التي تعيش منذ سنوات بين الخوف والانتظار، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات بحق أي إنسان.