تقرير حقوقي يوثّق الكلفة الإنسانية العميقة للحرب في اليمن
صوت الناجين
  • 31/03/2026
  •  https://samrl.org/l?a5725 
    منظمة سام |

    في إصدار حقوقي جديد يعكس عمق المأساة الإنسانية في اليمن، أطلقت منظمة سام للحقوق والحريات، بالشراكة مع رابطة أمهات المختطفين ومعهد (DT)، تقريرا توثيقيا ضمن مشروع " سبارك " بعنوان “صوت الناجين”، يقدّم عبر خمس قصص حية صورة مكثفة لمعاناة المدنيين في ظل الحرب المستمرة. لا يكتفي التقرير بعرض الوقائع، بل يسعى إلى إعادة الاعتبار للضحايا بوصفهم أشخاصًا كاملين، لهم حيواتهم وأحلامهم التي قُطعت فجأة، مؤكدًا أن الحرب في اليمن لم تعد مجرد صراع سياسي، بل تحوّلت إلى تجربة إنسانية قاسية تعيد تشكيل معنى الحياة ذاتها.

    ويكشف التقرير أن الضحايا الذين يوثق قصصهم لم يكونوا أطرافًا في النزاع، بل مدنيين عاديين دفعتهم الحرب إلى واجهتها دون اختيار. تتنوع حكاياتهم، لكنها تلتقي عند لحظة واحدة فاصلة، هي لحظة انكسار الحياة الآمنة وتحولها إلى مسار مثقل بالخسارات، حيث تتداخل أشكال الانتهاكات بين القتل والإصابة، والنزوح القسري، والإخفاء القسري، وحرمانهم من أبسط الحقوق، في ظل غياب شبه كامل للمساءلة، ما يضاعف من معاناة الضحايا ويحول الألم إلى حالة ممتدة لا تنتهي.

    في إحدى القصص، تتجسد مأساة المزارع أيمن، الذي كانت حياته مستقرة في قريته قبل أن تصل الحرب إلى محيطها، فتتحول أرضه التي كانت مصدر رزقه إلى مساحة موت. لم يعد قادرًا على جني محصوله بسبب القناصة، وفقد أحد أقاربه برصاص مباشر، قبل أن يُجبر مع آلاف السكان على النزوح تحت تهديد السلاح. لاحقًا، لم تكتف الحرب بتشريده، بل امتدت لتفجير منزله وزراعة الألغام في أرضه، وهو ما أدى إلى صدمة نفسية قاتلة لوالده انتهت بوفاته. يعيش أيمن اليوم نازحًا في مدينة تعز، بعد أن فقد الأرض والبيت والمعنى، ولا يطالب سوى بالعدالة والاعتراف بما تعرض له.

    أما قصة سارة، فتقدم نموذجًا مركبًا للخسارة التي تتكرر عبر الزمن والمكان. فقد اضطرت للنزوح من الحديدة نتيجة القصف، لتجد نفسها في تعز حيث فقدت شقيقها إثر قذيفة سقطت على منزلهم، قبل أن تتلقى ضربة جديدة بمقتل زوجها في قصف استهدف منشآت في الحديدة عام 2024. بين مدينتين وسياقين مختلفين، تتوحد النتيجة في تفكك الأسرة وتحملها عبء الحياة وحدها، في ظل غياب أي ضمانات للحماية أو العدالة. تعبر سارة عن شعور عام لدى الضحايا بأن ما يُطرح من وعود لا يتجاوز مستوى الخطاب، بينما تبقى المعاناة اليومية بلا حلول حقيقية.

    وفي سياق مختلف، يسلط التقرير الضوء على مخاطر العمل الصحفي في مناطق النزاع من خلال قصة المصور وليد القدسي، الذي فقد ساقه إثر قذيفة أثناء تغطية ميدانية في تعز. لم يكن وليد مقاتلًا، بل شاهدًا يحاول نقل الحقيقة، إلا أن الحرب لم تفرق بين من يحمل الكاميرا ومن يحمل السلاح. ورغم الإصابة، تمكن من إعادة بناء حياته المهنية باستخدام أدوات جديدة، ليؤكد أن الضحية قد تتحول إلى فاعل، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى العدالة. تكشف قصته أيضًا عن بيئة عدائية للعمل الإعلامي، حيث وثّقت نقابة الصحفيين عشرات الانتهاكات بحق الصحفيين في فترة زمنية قصيرة.

    وتبرز قصة الطفلة هديل كواحدة من أكثر القصص تأثيرًا، إذ فقدت ذراعيها نتيجة قذيفة، لكنها لم تفقد إرادتها في الحياة. بعد صدمة الإصابة، دخلت في مرحلة من اليأس، قبل أن تبدأ تدريجيًا في إعادة بناء ذاتها، متعلمة الكتابة بطرق بديلة، ومواصلة تعليمها حتى التحاقها بالجامعة. تعكس قصتها قدرة الإنسان على التكيف، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالًا عميقًا حول الثمن الذي يدفعه الأطفال في الحروب، وحول حدود ما يمكن أن تقدمه العدالة في مواجهة فقد بهذا الحجم. 

    ولا يغفل التقرير أحد أكثر الانتهاكات قسوة، وهو الإخفاء القسري، من خلال قصة أب يعيش سنوات من الانتظار لمعرفة مصير ابنه المختفي منذ عام 2018. هذه الحالة لا تمثل فقدًا تقليديًا، بل شكلًا ممتدًا من العذاب، حيث يبقى الأمل معلقًا بين احتمالين لا يمكن حسمهما، ما يحول حياة الأسرة إلى حالة دائمة من القلق والانهيار النفسي.

    يؤكد التقرير في مجمله أن هذه القصص ليست مجرد شهادات فردية، بل تمثل وثائق أخلاقية تكشف حجم التحول القاسي الذي أصاب الإنسان اليمني، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية. فبناء السلام، كما يشير التقرير، لا يمكن أن يتم دون مواجهة الحقيقة، والاستماع إلى الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرار المأساة. فالعدالة لا تبدأ من المحاكم فقط، بل من الاعتراف، ومن إعادة الصوت لمن سُلب منهم حق الكلام.

    وفي ظل استمرار الحرب، يبقى “صوت الناجين” تذكيرًا بأن الكلفة الحقيقية للنزاع لا تقاس فقط بعدد القتلى أو حجم الدمار، بل بما يتركه من ندوب عميقة في حياة الأفراد، وبالأسئلة المفتوحة التي يحملها الضحايا حول معنى العدالة وإمكانية استعادتها.


  •  
    جميع الحقوق محفوظة لمنظمة سام © 2023، تصميم وتطوير